مقصلة واشنطن تقترب من “الكيزان”.. هل يُسقط الضغط الأمريكي شبكة الإخوان التي تتهمها تقارير بإطالة حرب السودان؟

بينما يدخل السودان عامه الرابع من الحرب، تتزايد الأسئلة حول مصير الموارد الوطنية التي كان يمكن أن تُوجَّه لإعادة الإعمار والتنمية، لكنها انتهت – وفق تقديرات اقتصادية وتحليلات سياسية – إلى تمويل واحدة من أكثر الحروب كلفة في تاريخ البلاد الحديث.

وفي الوقت الذي تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية ويتسع نطاق النزوح والجوع والانهيار الاقتصادي، بدأت واشنطن في تصعيد ضغوطها على شبكات مرتبطة بالحركة الإسلامية السودانية، المعروفة شعبياً بـ”الكيزان”، باعتبارها – وفق تقارير وتحليلات أمريكية – أحد العوامل الرئيسية التي ساهمت في إطالة أمد الصراع وتعقيد فرص التسوية.

اقتصاد الحرب.. من الموازنة العامة إلى ساحات القتال

تشير قراءات اقتصادية متقاطعة إلى أن الحرب أعادت تشكيل أولويات الدولة السودانية بصورة جذرية، حيث تحولت الموارد العامة من قطاعات الخدمات والتنمية إلى تمويل العمليات العسكرية والتعبئة المستمرة.

ويقول الخبير الاقتصادي وعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي كمال كرار إن الحرب أكملت 1151 يوماً حتى 8 يونيو 2026، بينما تجاوزت تكلفتها التقديرية 1.03 تريليون دولار، استناداً إلى تقديرات رسمية تشير إلى كلفة يومية تبلغ نحو 900 مليون دولار.

وبحسب كرار، فإن أقل من 2% فقط من هذه الأموال كان يمكن أن يكفي لإعادة تأهيل مشروع الجزيرة، وإنشاء محطات مياه في بورتسودان والفاشر، وتطوير شبكة السكة الحديد، وإنشاء محطة طاقة شمسية ضخمة، وهي مشروعات كان يمكن أن تعيد الحياة لاقتصاد أنهكته الحروب والأزمات.

ويرى اقتصاديون أن استمرار الإنفاق العسكري بهذا الحجم ساهم في تفاقم عجز الموازنة، وتسارع انهيار الجنيه السوداني، وارتفاع معدلات التضخم، ما أدى إلى تآكل القوة الشرائية للمواطنين واتساع رقعة الفقر.

من يدير اقتصاد الحرب؟

وفقاً لتحليلات سياسية وتقارير متخصصة، فإن إدارة الموارد المرتبطة بالمجهود الحربي لا تقتصر على المؤسسة العسكرية وحدها، بل تتداخل معها شبكات نفوذ اقتصادية وسياسية مرتبطة بالنظام السابق والحركة الإسلامية.

وتشير هذه القراءات إلى أن عدداً من الكوادر والشخصيات المرتبطة بالنظام السابق حافظت على نفوذها داخل مفاصل اقتصادية وإدارية مهمة، الأمر الذي مكنها من الاستمرار في التأثير على القرار المالي والاقتصادي خلال سنوات الحرب. ويقول مراقبون إن هذا الواقع أسهم في ترسيخ ما يُعرف بـ”اقتصاد الحرب”، حيث تصبح الأولوية لاستمرار التمويل العسكري على حساب الخدمات الأساسية وإعادة الإعمار.

واشنطن تغيّر قواعد اللعبة

خلال الأشهر الأخيرة، انتقل الموقف الأمريكي من التركيز على الوساطات السياسية إلى استهداف البنية المالية والتنظيمية التي يُعتقد أنها تدعم استمرار الحرب.

ويبرز في هذا السياق تحليل صادر عن مؤسسة “الدفاع عن الديمقراطيات” (FDD)، اعتبر أن الحركة الإسلامية السودانية أصبحت محوراً أساسياً في الحسابات الأمنية الأمريكية المتعلقة بالسودان والبحر الأحمر. ويرى التحليل أن أي عملية استقرار حقيقية في السودان تتطلب تفكيك شبكات النفوذ السياسي والاقتصادي التي راكمتها الحركة الإسلامية خلال عقود، وتجفيف مصادر التمويل التي تتيح لها التأثير في مسار الحرب.

علي كرتي تحت المجهر

ويضع التحليل الأمين العام للحركة الإسلامية علي كرتي في قلب هذه الشبكات، باعتباره أحد أبرز الوجوه السياسية المرتبطة بمرحلة ما بعد نظام الرئيس المعزول عمر البشير.

ووفقاً للتحليل، فإن الضغوط الأمريكية والعقوبات تستهدف شبكات مالية يُشتبه في استخدامها لدعم أنشطة مرتبطة بالحركة الإسلامية، في محاولة لقطع خطوط التمويل وتقليص قدرتها على التأثير في المشهد العسكري والسياسي.

البرهان والإسلاميون.. علاقة تحت الاختبار

أحد أكثر الملفات حساسية يتمثل في العلاقة بين قيادة الجيش السوداني وبعض التيارات الإسلامية التي شاركت في التعبئة والحشد خلال الحرب. وتشير تقديرات سياسية إلى أن واشنطن تسعى إلى دفع المؤسسة العسكرية نحو فك الارتباط مع أي قوى سياسية أو تنظيمية قد تُنظر إليها باعتبارها عائقاً أمام التسوية السياسية أو إعادة بناء الدولة.

ويرى دبلوماسيون غربيون أن مستقبل العلاقات الدولية مع السودان، بما في ذلك ملف إعادة الإعمار ورفع العزلة الاقتصادية، سيظل مرتبطاً بمدى قدرة السلطة القائمة على تقديم ضمانات بشأن الوصول إلى دولة حكومة مدنية واستقلال القرار السياسي والعسكري عن نفوذ شبكات النظام السابق.

هل تنجح “مقصلة واشنطن”؟

رغم تصاعد الضغوط الأمريكية، لا يزال السؤال الأبرز مطروحاً: هل تكفي العقوبات والملاحقات المالية لتفكيك شبكات رسخت نفوذها داخل الدولة لعقود؟

يرى محللون أن نجاح هذه الجهود يتوقف على ثلاثة عوامل رئيسية: أولها وجود إرادة سياسية داخلية لإنهاء نفوذ شبكات التمكين، وثانيها بناء مؤسسات مدنية قادرة على إدارة مرحلة ما بعد الحرب، وثالثها توفير مسار عدالة ومحاسبة يحظى بقبول شعبي.

لكن المؤكد، وفق مراقبين، أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى معركة على موارد الدولة ومستقبل السلطة في السودان. وبينما تتجه واشنطن نحو تشديد الضغوط على شبكات الإسلاميين، يبقى المواطن السوداني هو الخاسر الأكبر من حرب استنزفت الأرواح والاقتصاد، ووضعت البلاد أمام واحدة من أكثر لحظاتها حرجاً منذ الاستقلال.