الساعة الواحدة بتوقيت “الثورة”.. لماذا بقي 30 يونيو أقوى أيام السودانيين؟

هناك تواريخ لا تُقرأ في التقويم، بل في ذاكرة الشعوب. وفي السودان، لا يحمل 30 يونيو معنى واحداً، بل يختزن حكايتين متناقضتين؛ الأولى بدأت قبل أكثر من ثلاثة عقود بالدبابات والبيان العسكري، والثانية وُلدت من ملايين الأقدام التي ملأت الشوارع وهي تهتف للحرية.

هناك تواريخ لا تُقرأ في التقويم، بل في ذاكرة الشعوب. وفي السودان، لا يحمل 30 يونيو معنى واحداً، بل يختزن حكايتين متناقضتين؛ الأولى بدأت قبل أكثر من ثلاثة عقود بالدبابات والبيان العسكري، والثانية وُلدت من ملايين الأقدام التي ملأت الشوارع وهي تهتف للحرية.

في فجر 30 يونيو 1989 أطاح انقلاب عسكري بالحكومة المنتخبة، ليفتح الطريق أمام ثلاثة عقود من حكم الرئيس المخلوع عمر البشير، المدعوم من الجبهة الإسلامية القومية “الإخوان المسلمين في السودان”. وفي الساعة الواحدة بتوقيت الثورة، بعد ثلاثين عاماً، امتلأت شوارع الخرطوم ومدن السودان بملايين المحتجين في 30 يونيو 2019، في واحدة من أكبر التظاهرات السلمية في تاريخ البلاد. كان ذلك التوقيت قد تحول إلى رمز بين الثوار، إذ ارتبط بانطلاق المواكب الكبرى، فيما بدا وكأن عقارب الساعة تعلن بداية فصل جديد يكتبه الشارع لا البيانات العسكرية. ولم تكن تلك المليونية مجرد احتجاج عابر، بل كانت لحظة قلبت موازين القوة، وأكدت أن الشارع لا يزال اللاعب الأكثر تأثيراً في مستقبل السودان.

بعد فض اعتصام القيادة العامة في يونيو 2019، سادت مخاوف من أن الثورة فقدت زخمها وأن القبضة الأمنية ستفرض واقعاً جديداً. لكن السودانيين خرجوا مجدداً في 30 يونيو بأعداد غير مسبوقة، متحدين الرصاص وحملات القمع، ليبعثوا برسالة واضحة إلى المجلس العسكري: لا تراجع عن الحكم المدني، ولا تنازل عن شعارات “حرية، سلام، وعدالة”.

ذلك الضغط الشعبي أعاد العملية السياسية إلى مسارها، ومهّد لاحقاً لتوقيع الاتفاق السياسي في أغسطس 2019، الذي فتح الباب أمام المرحلة الانتقالية، رغم ما واجهته لاحقاً من تعقيدات وانقلابات وأزمات.

لكن أهمية 30 يونيو لم تتوقف عند ذلك العام. فقد تحول التاريخ إلى موعد سنوي لتجديد العهد مع الثورة، إذ خرجت مواكب جديدة في عامي 2020 و2022 مطالبة باستكمال أهداف الانتقال الديمقراطي، وإنهاء الحكم العسكري، وسط سقوط ضحايا ومصابين، ما عزز مكانة هذا اليوم باعتباره رمزاً للمقاومة المدنية.

واليوم، بينما يعيش السودان واحدة من أكثر مراحله قسوة منذ اندلاع الحرب، يعود 30 يونيو محملاً بأسئلة أكبر من مجرد إحياء ذكرى. فما الذي بقي من الثورة؟ وكيف يمكن استعادة مشروع الدولة المدنية وسط الانقسام والدمار والنزوح؟

لهذا تستثمر قوى سياسية ومنظمات مجتمع مدني والعديد من الناشطين هذه الذكرى لتجديد الدعوات إلى وقف الحرب، وحماية المدنيين، وإنصاف الضحايا، والعودة إلى مسار ديمقراطي يحقق تطلعات السودانيين التي خرجوا من أجلها قبل سنوات.

المفارقة التي تجعل من 30 يونيو يوماً استثنائياً في التاريخ السوداني، أنه التاريخ نفسه الذي شهد ولادة أحد أطول الأنظمة العسكرية في البلاد، ثم أصبح بعد ثلاثين عاماً رمزاً لأكبر تحدٍ شعبي لذلك الإرث.

بين انقلاب 1989 ومليونية 2019، تبدلت أدوات الصراع. في الأولى حضرت الدبابة والبيان الأول، وفي الثانية حضرت اللافتة والهتاف والمواكب السلمية. وبين المشهدين، كتب السودانيون درساً سياسياً ظل يتردد في الذاكرة الوطنية: قد تفرض القوة واقعاً مؤقتاً، لكن الإرادة الشعبية قادرة على إعادة تشكيل التاريخ.

ولهذا، لا تبدو ذكرى 30 يونيو مجرد مناسبة لاستذكار الماضي، بل تذكيراً بأن الثورات لا تُقاس فقط بما حققته، وإنما أيضاً بما زرعته في وعي الشعوب. ورغم الحرب والانقسام، لا يزال ذلك اليوم يمثل لدى كثير من السودانيين دليلاً على أن الشارع، عندما يتوحد، يستطيع أن يغير مسار وطن بأكمله.

ففي النهاية، يبقى الدرس الأبرز الذي رسخته مليونية 30 يونيو 2019 هو أن إرادة الشعب، مهما تأخر انتصارها، تظل أقوى من الانقلاب، وأبقى من السلطة، وأقدر على صناعة المستقبل.