
«ستارلينك» لن يحل الأزمة.. لماذا تتجاهل حكومة القضارف جذور انهيار الزراعة في «سلة غذاء السودان»؟
بينما أعلنت حكومة ولاية القضارف، شرقي السودان، حزمة إجراءات وصفتها بـ”العاجلة” لتسهيل معاملات المزارعين استعداداً للموسم الزراعي الجديد، يرى مختصون ومزارعون أن الأزمة الحقيقية التي تهدد أكبر ولاية منتجة للحبوب في البلاد تتجاوز بكثير مشكلة بطء الإجراءات الإدارية أو ضعف شبكة الاتصالات.
ففي اجتماع حكومي ترأسه الأمين العام لحكومة ولاية القضارف، عبد العظيم الحاج الجاموس، بمشاركة مسؤولي المالية والإنتاج وهيئة الزراعة الآلية وممثلين للمزارعين، جرى الاتفاق على إجراءات تشمل توفير أجهزة “ستارلينك” لتحسين الاتصال داخل هيئة الزراعة الآلية، وزيادة أجهزة الحاسوب ونوافذ تقديم الخدمة، بهدف تسريع استخراج الشهادات والوثائق اللازمة لدخول الموسم الزراعي.
وتقول حكومة الولاية إن هذه التدابير ستسهم في إزالة العقبات الفنية والإدارية وتمكين المزارعين من بدء الموسم في توقيته المناسب، مؤكدة أن التحرك جاء بتوجيه من مجلس الوزراء لمعالجة الإشكالات التي تواجه هيئة الزراعة الآلية.
لكن هذه المعالجات، وفق مراقبين، تلامس جانباً محدوداً من الأزمة، بينما تظل الملفات الأكثر تأثيراً على مستقبل الموسم الزراعي بلا حلول واضحة.
أزمة أعمق من الإنترنت
تُعرف القضارف بأنها “سلة غذاء السودان”، إذ تنتج النسبة الأكبر من الذرة والسمسم وعباد الشمس والدخن، إلا أن الحرب المستمرة منذ أبريل 2023 عمّقت أزمة القطاع الزراعي بصورة غير مسبوقة.
ويواجه المزارعون ارتفاعاً قياسياً في تكلفة الوقود والأسمدة والتقاوي والمبيدات والآليات الزراعية، إلى جانب ضعف التمويل وشح السيولة وتأخر القروض الزراعية، وهي عوامل دفعت عدداً من المنتجين إلى تقليص المساحات المزروعة أو العزوف عن الزراعة بالكامل.
كما تعاني الولاية اضطراب سلاسل الإمداد، وصعوبة نقل المحاصيل إلى الأسواق الداخلية وموانئ التصدير، فضلاً عن تراجع الخدمات المصرفية والاتصالات ونقص العمالة الموسمية، الأمر الذي يزيد الضغوط على المنتجين.
حلول الخبراء.. لا أجهزة الحاسوب
ويرى خبراء الاقتصاد الزراعي أن إنقاذ الموسم الزراعي يبدأ من توفير تمويل مبكر وكافٍ عبر البنك الزراعي والمصارف، مع خفض تكلفة مدخلات الإنتاج، وضمان الوقود والتقاوي المحسنة قبل انطلاق الموسم.
كما يدعون إلى إصلاح السياسات الزراعية، وتقليل الرسوم والجبايات، وتأمين طرق نقل المحاصيل، وتحسين البنية التحتية من طرق وصوامع ومخازن، إلى جانب وضع أسعار تشجيعية للمحاصيل الاستراتيجية تضمن للمزارع هامش ربح يغطي التكاليف المرتفعة.
ويؤكد مختصون أن التغيرات المناخية، وعدم انتظام الأمطار، وتدهور خصوبة التربة، أصبحت بدورها تحديات رئيسية تستدعي برامج طويلة الأجل للتكيف وحصاد المياه وإدارة الموارد الطبيعية.
بين الوعود والواقع
وبينما تراهن حكومة القضارف على تسريع الإجراءات الإدارية داخل هيئة الزراعة الآلية، يخشى مزارعون أن تتحول تلك التدابير إلى معالجة شكلية لا تمس جذور الأزمة، في ظل استمرار مشكلات التمويل والوقود وارتفاع تكلفة الإنتاج.
ويحذر خبراء من أن نجاح الموسم الزراعي في القضارف، التي تمثل أحد أهم أعمدة الأمن الغذائي في السودان، لن يتحقق عبر تحسين الخدمات الإدارية وحدها، بل يحتاج إلى استقرار أمني وسياسات اقتصادية واضحة، وتمويل مستدام، واستثمارات حقيقية في القطاع الزراعي، حتى تستعيد الولاية دورها كمحرك رئيسي للإنتاج الزراعي في البلاد.
