
الحرب التي قتلت الوظائف… كيف صنع الشباب السوداني اقتصاداً جديداً من شاشات اللابتوب ومراكز الاتصال؟
لم تبدأ القصة داخل شركات التكنولوجيا، ولم تخطط لها الحكومات، بل ولدت وسط أصوات القصف، وانقطاع الكهرباء، وإغلاق المصانع، وهروب المستثمرين. ففي الوقت الذي كانت فيه الحرب تدمر أحد أكبر أسواق العمل في السودان، كانت شاشة حاسوب صغيرة في منزل مستأجر بالقاهرة، أو هاتف ذكي في مدينة سودانية تعاني انقطاع الإنترنت، تتحول إلى نافذة يطل منها آلاف الشباب على سوق عمل عالمي لا يعرف الحدود.
خلال أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، لم يتغير فقط مكان إقامة ملايين السودانيين، بل تغير أيضاً مفهوم الوظيفة نفسها. فبدلاً من انتظار فرصة عمل في مؤسسة حكومية أو شركة محلية، أصبح كثير من الشباب يعملون مع شركات في الخليج وأوروبا وأمريكا، أو داخل مراكز اتصال تخدم أسواقاً عربية وأجنبية، بينما يعيشون في القاهرة أو داخل السودان أو أي دولة لجوء أخرى.
هذا التحول لم يكن خياراً اقتصادياً بقدر ما كان استجابة اضطرارية لانهيار شبه كامل في سوق العمل التقليدي.
الاقتصاد الذي خلقته الحرب
أغلقت الحرب مئات الشركات والمؤسسات، وتعطلت قطاعات التجارة والخدمات والصناعة، وفقد آلاف الموظفين مصادر دخلهم خلال أشهر قليلة.
لكن المفارقة أن الأزمة نفسها دفعت الشباب إلى اكتشاف سوق لم يكن يحظى باهتمام واسع قبل الحرب.
بدأت رحلة البحث عن دورات مجانية في التصميم الجرافيكي، والبرمجة، وكتابة المحتوى، والترجمة، والتسويق الرقمي، وإدارة صفحات التواصل الاجتماعي، وتحليل البيانات، حتى أصبح كثير منهم يقدم خدماته عبر منصات العمل الحر لعملاء خارج السودان.
وبينما كانت الحدود تغلق أمام حركة الأفراد، فتحت الإنترنت حدوداً جديدة أمام المهارات.
القاهرة… العاصمة الجديدة للكول سنتر السوداني
في القاهرة والجيزة، حيث يقيم مئات الآلاف من السودانيين، تشكل سوق عمل جديد لم يكن موجوداً بهذا الحجم قبل الحرب.
شركات التعهيد (BPO) ومراكز الاتصال أصبحت تستقطب أعداداً متزايدة من الشباب السوداني، مستفيدة من إجادتهم اللغة الإنجليزية والعربية، وامتلاك كثير منهم مستويات جيدة في الفرنسية.
وتشير بيانات سوق العمل إلى أن الفئة العمرية بين 20 و30 عاماً تمثل أكثر من 70% من العاملين في هذا القطاع.
وتتراوح رواتب الحسابات العربية بين 6 آلاف و12 ألف جنيه مصري شهرياً، بينما تتجاوز رواتب الحسابات الأجنبية 15 ألف جنيه مصري، مع وجود مزايا إضافية تشمل التدريب والحوافز والتأمينات في بعض الشركات.
كما بدأت نسبة متزايدة من الوظائف تعتمد نظام العمل من المنزل، وهو ما وفر مرونة كبيرة للشباب والأسر النازحة، خاصة النساء.
النساء… الرابح الأكبر في التحول الرقمي
من أبرز ملامح الاقتصاد الجديد، ارتفاع مشاركة النساء السودانيات. فبعد أن كانت فرص العمل محدودة بسبب ظروف النزوح أو مسؤوليات الأسرة، وفر العمل عن بُعد ووظائف خدمة العملاء فرصة للحصول على دخل مستقر دون الحاجة إلى التنقل اليومي.
واستطاعت كثير من الشابات الانتقال من الحسابات العربية إلى الحسابات الأجنبية بعد تطوير مهاراتهن اللغوية، وهو ما انعكس مباشرة على مستويات دخولهن.
الدولار يدخل البيوت السودانية
الميزة الأكبر للاقتصاد الرقمي لا تكمن فقط في توفير وظيفة، بل في مصدر الدخل نفسه. فالعمل الحر عبر الإنترنت يتيح تقاضي الأجور بالدولار أو العملات الأجنبية، وهو ما وفر حماية نسبية من التضخم وانهيار قيمة الجنيه السوداني.
وأصبحت تحويلات العاملين في المنصات الرقمية تمثل مورداً أساسياً لعشرات الأسر داخل السودان، في وقت تراجعت فيه فرص العمل المحلية بصورة غير مسبوقة.
لكن الطريق ليس مفروشاً بالنجاح
ورغم الصورة الإيجابية، فإن الاقتصاد الرقمي لا يخلو من تحديات كبيرة. داخل السودان، ما تزال انقطاعات الكهرباء وضعف الإنترنت والعقبات المصرفية تمثل عوائق يومية أمام العاملين عبر الإنترنت.
أما في دول اللجوء، فتبرز تحديات تصاريح العمل، والمنافسة المرتفعة، والحاجة المستمرة لتطوير المهارات وإتقان اللغات الأجنبية. كما يواجه كثير من المستقلين مشكلة عدم استقرار الدخل، إذ يعتمد استمرارهم على قدرتهم على جذب مشاريع جديدة بصورة دائمة.
خبير اقتصادي: الحرب صنعت جيلاً جديداً
يرى الخبير الاقتصادي محمد نور أن التحول نحو الاقتصاد الرقمي يمثل أحد أهم الآثار غير المتوقعة للحرب.
ويقول إن هذه التجربة عززت الاعتماد على الذات، وأسهمت في خلق فرص عمل جديدة، واكتساب خبرات عالمية في الإدارة والتكنولوجيا والتسويق، إلى جانب تحسين دخول الأسر السودانية، والحفاظ على الكفاءات من الضياع خلال سنوات النزاع.
لكنه يحذر في الوقت نفسه من تحديات التمويل، وضعف الخبرة الإدارية، والقيود القانونية في بعض دول اللجوء، إضافة إلى احتمال استقرار جزء من الكفاءات السودانية في الخارج إذا لم تتوافر مستقبلاً بيئة جاذبة للعودة.
ويرى نور أن هذه المخاوف لا تعني خسارة نهائية، إذ تستطيع الدول الاستفادة من جالياتها عبر الاستثمار، وتحويل المعرفة، وفتح الأسواق، وتحويلات المغتربين.
هل يولد اقتصاد سوداني جديد؟
تكشف المؤشرات أن ما بدأ كحل اضطراري قد يتحول إلى مسار اقتصادي دائم. فالحرب لم تدفع الشباب إلى تغيير وظائفهم فقط، بل دفعتهم إلى إعادة تعريف مفهوم العمل نفسه.
وباتت المهارة الرقمية، واللغة الأجنبية، والقدرة على التواصل، أكثر قيمة من كثير من الشهادات التقليدية، بينما أصبحت شاشة الحاسوب تمثل بالنسبة لآلاف السودانيين بوابة إلى سوق عالمي لا تحده الجغرافيا.
وإذا استطاعت الحكومات والمؤسسات مستقبلاً توفير التدريب، والتمويل، وتحسين البنية التحتية الرقمية، فإن الخبرات التي اكتسبها الشباب خلال سنوات الحرب قد تتحول إلى أحد أهم محركات إعادة إعمار الاقتصاد السوداني.
وربما تكون المفارقة الأبرز أن الحرب التي دمرت ملايين الوظائف التقليدية، أسهمت – من حيث لا تقصد – في ولادة جيل جديد من السودانيين يعتمد على المعرفة، والابتكار، والاقتصاد الرقمي، أكثر من اعتماده على الوظيفة الحكومية أو السوق المحلية، وهو تحول قد يرسم ملامح السودان الاقتصادي لعقود قادمة.
