
أبيي تعود إلى واجهة الصراع.. إدراجها في انتخابات جنوب السودان يفتح مواجهة جديدة مع الخرطوم
الخرطوم/ الغد السوداني – أعاد قرار مفوضية الانتخابات في جنوب السودان إدراج منطقة أبيي المتنازع عليها ضمن الدوائر الجغرافية للانتخابات العامة المقررة في ديسمبر المقبل، ملف السيادة على المنطقة إلى واجهة التوتر بين الخرطوم وجوبا، في خطوة يرى مراقبون أنها تتجاوز الإجراء الانتخابي لتلامس جوهر النزاع القانوني والسياسي الذي ظل معلقاً منذ أكثر من عقدين.
وأعلنت المفوضية القومية للانتخابات في جنوب السودان اعتماد 102 دائرة جغرافية استعداداً لأول انتخابات عامة منذ استقلال الدولة عام 2011، بينها 12 دائرة في ولاية واراب شملت محلية أبيي، في قرار اعتبرته جوبا جزءاً من استكمال ترتيبات العملية الانتخابية، بينما تنظر إليه الخرطوم بوصفه محاولة لتكريس واقع سياسي جديد على أرض لم يُحسم وضعها النهائي.
وتأتي الخطوة في وقت يخوض فيه السودان حرباً داخلية مستمرة منذ أبريل 2023، ما يحد من قدرة الحكومة السودانية على إدارة ملفات النزاعات الحدودية، ويمنح جوبا، وفق تقديرات سياسية، هامشاً أوسع لتعزيز حضورها الإداري والسياسي في المنطقة.
نزاع يتجاوز الانتخابات
ويرى محللون أن إدراج أبيي في الخريطة الانتخابية لجنوب السودان لا يمثل مجرد تعديل إداري، وإنما يحمل أبعاداً سياسية وقانونية تتعلق بالسيادة والشرعية والتمثيل، خاصة أن المنطقة تخضع منذ توقيع اتفاق السلام الشامل عام 2005 لترتيبات انتقالية لم تُستكمل، بينما ظل الاستفتاء الخاص بتحديد تبعيتها معطلاً بسبب الخلاف حول من يحق لهم التصويت.
وتكتسب الانتخابات المقبلة أهمية خاصة باعتبارها الأولى منذ استقلال جنوب السودان، بعد أربع مرات من التأجيل انتهت بتمديد الفترة الانتقالية حتى ديسمبر 2026، ما يجعلها اختباراً لشرعية المؤسسات في جوبا، وفي الوقت نفسه فرصة لإعادة التأكيد على مواقفها بشأن القضايا السيادية، وفي مقدمتها أبيي.
ويرى متابعون أن إدراج المنطقة ضمن الدوائر الانتخابية يبعث برسائل مباشرة إلى السودان، وإلى بعثة الأمم المتحدة المؤقتة في أبيي (يونيسفا)، وكذلك إلى المجتمع الدولي، مفادها أن جوبا تسعى إلى تعزيز حضورها المؤسسي في المنطقة، حتى في غياب تسوية نهائية للنزاع.
ملف معلق منذ نيفاشا
ويعود النزاع حول أبيي إلى عقود سبقت انفصال جنوب السودان، لكنه اكتسب بعداً قانونياً جديداً عقب توقيع اتفاق السلام الشامل في نيفاشا عام 2005، الذي نص على إجراء استفتاء يحدد تبعية المنطقة.
غير أن الخلاف بين قبيلتي دينكا نقوك والمسيرية بشأن من يحق له المشاركة في الاستفتاء أدى إلى تعطيل العملية بالكامل، قبل أن يتحول الملف، بعد استقلال جنوب السودان عام 2011، إلى نزاع سيادي بين دولتين.
وسبق أن شهدت المنطقة محاولات متبادلة لفرض الأمر الواقع، إذ نظمت قيادات من دينكا نقوك استفتاءً أحادياً عام 2013 أعلنت فيه تأييدها الانضمام إلى جنوب السودان، وهو استفتاء لم يحظ باعتراف دولي، فيما أدرجت الخرطوم أبيي ضمن دوائر الانتخابات السودانية عام 2015، في خطوة رفضتها قيادات جنوبية آنذاك.
الخرطوم: خطوة أحادية
وتعتبر الحكومة السودانية أن قرار جوبا يمثل خروجاً على الاتفاقات المنظمة لوضع أبيي، وفي مقدمتها بروتوكول أبيي الملحق باتفاق نيفاشا، واتفاق الترتيبات الأمنية والإدارية لعام 2011، إضافة إلى قرار مجلس الأمن رقم 2046 الذي دعا الطرفين إلى مواصلة التفاوض وصولاً إلى حل نهائي.
وبحسب هذا الموقف، فإن أي إجراء أحادي لا يمكن أن يغيّر المركز القانوني للمنطقة، ولا يمنح أي طرف حق فرض سيادته عليها قبل استكمال العملية التفاوضية المتفق عليها.
جوبا تراهن على الإدارة الفعلية
في المقابل، يمنح القرار حكومة جنوب السودان فرصة لتعزيز خطابها القائم على أن الشرعية تنبع من إدارة شؤون السكان وتقديم الخدمات، في ظل وجود إداري ومدني مستمر داخل أجزاء واسعة من المنطقة خلال السنوات الماضية.
كما تنظر قيادات من مجتمع دينكا نقوك إلى إدراج أبيي في الانتخابات باعتباره تأكيداً لارتباط المنطقة بجنوب السودان، وتعويضاً عن سنوات طويلة من تأجيل تنفيذ الاستفتاء المنصوص عليه في اتفاق السلام.
وفي الوقت ذاته، أثارت تصريحات منسوبة إلى أحد ممثلي تحالف “تأسيس” بشأن وجود إدارة تحظى باعتراف بعثة الأمم المتحدة ردود فعل داخل أبيي، حيث نفت منظمات مجتمع مدني تلك المزاعم، مؤكدة أن أي ادعاء بتمثيل المنطقة خارج الأطر القانونية المعترف بها قد يزيد تعقيد المشهد المحلي.
الحرب تغير الحسابات
ويرى مراقبون أن توقيت القرار يرتبط أيضاً بالتحولات التي فرضتها الحرب في السودان، إذ أدى انشغال الخرطوم بالصراع الداخلي إلى تقليص قدرتها على متابعة ملفات الحدود والأقاليم المتنازع عليها، وهو ما أوجد مساحة سياسية تتحرك فيها جوبا بأقل تكلفة مقارنة بفترات الاستقرار.
كما يحمل القرار رسالة إلى الوسطاء الإقليميين والدوليين بأن استمرار تجميد ملف أبيي لم يعد مقبولاً بالنسبة إلى جنوب السودان، التي تبدو وكأنها تتجه إلى سياسة “تراكم الوقائع”، عبر توسيع الإدارة المدنية وربط المنطقة تدريجياً بمؤسسات الدولة، بما قد يؤثر مستقبلاً في أي مفاوضات بشأن الوضع النهائي.
سيناريوهات المرحلة المقبلة
ويستبعد محللون أن يؤدي القرار إلى حسم النزاع بصورة نهائية، إلا أنهم يرجحون أن يفتح مرحلة جديدة من التنافس السياسي والقانوني بين البلدين. ويتمثل السيناريو الأكثر ترجيحاً في استمرار جوبا بالمضي في إجراءاتها الانتخابية، مقابل تمسك الخرطوم بالرفض القانوني والدبلوماسي، مع تكثيف تحركاتها داخل الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي للتأكيد أن أي إجراءات أحادية لا تغير الوضع القانوني لأبيي.
وفي المقابل، يبقى احتمال وقوع احتكاكات أمنية محلية قائماً، وإن كان محدوداً، خاصة خلال مواسم حركة الرعاة أو في حال محاولة فرض ترتيبات إدارية متعارضة داخل المنطقة.
ويرجح مراقبون استمرار المجتمع الدولي في اتباع سياسة احتواء الأزمة بدلاً من حسمها، عبر الدعوة إلى استئناف المفاوضات تحت رعاية الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، مع الحفاظ على الاستقرار الأمني بوصفه أولوية تتقدم على تسوية النزاع نفسه.
ويخلص محللون إلى أن الانتخابات المقبلة لن تحسم مستقبل أبيي، لكنها قد تمثل محطة جديدة في صراع الإرادات بين الخرطوم وجوبا، حيث بات التنافس يدور بصورة متزايدة حول من ينجح في ترسيخ الوقائع على الأرض، أكثر من الجدل حول تفسير الاتفاقات التي ظلت تؤطر النزاع منذ توقيع اتفاق السلام الشامل قبل أكثر من عشرين عاماً.
