عندما فازت إسبانيا بكأس العالم بكيت على السودان!

بقلم/ عادل ود سهل –  لحظة أخرى غير التي عاشها العالم:‏ في مساء الأحد الفائت، وبينما كانت إسبانيا ترفع كأس العالم للمرة الثانية في تاريخها، بعد أن ‏أطبقت على الأرجنتين بهدفٍ وحيد سجله فيران توريس في الدقيقة الخامسة بعد المئة، وبينما ‏كان ميسي يودّع مونديالاته الأخيرة صامتاً مكسور الجناح، حين أطلق الحكم صافرة النهاية ‏معلناً تتويج إسبانيا بطلة للعالم.‏

لم أفكر في إسبانيا. ولم أفكر في المنتخب الخاسر، ولم أفكر في أهداف المباراة ولا في نجومها ‏ولا في إحصاءاتها، لم أكن مع إسبانيا الفرحة، ولم أكن مع الأرجنتين المهزومة، ولم أبكِ لأن ‏الأرجنتين خسرت، ولم أفرح لأن إسبانيا فازت‎.‎

بل وجدت نفسي أفكر في بلدٍ لا يعرف أحد في هذا العالم أنه موجود أصلاً على خريطة ‏الاهتمام، وجدت نفسي أفكر في السودان. ‏

ذلك السودان الذي أصبح يتابع أفراح الآخرين أكثر مما يتابع أحزانه.‏ ويعيش انتصارات الآخرين أكثر مما يحاول صناعة انتصاره الخاصّ.‏ ويتنفّس كرة القدم أكثر مما يتنفّس قضاياه الحقيقية‎

كأسٌ لا تليق بجراحنا:‏

أنا لا أكره كرة القدم. ‏

بل أعترف أنها ربما تكون أجمل أكذوبة اخترعتها البشرية كي تمنح الناس شيئاً من الفرح وسط ‏هذا العالم القاسي. ‏

الكرة، في الأصل، ليست ترفاً. ‏

هي فرحٌ يستحقه من يملك ترف الفرح. ‏

لكنها في لحظتنا هذه، ونحن نعيش تحت وطأة حربٍ طاحنة، تحوّلت إلى ترفٍ فاحش، ترفٍ ‏يشبه من يتحدث عن أناقة الملابس وهو يحتضر من البرد‎.‎

خمسة وثلاثون مليوناً من أصل خمسة وأربعين مليون سوداني، بل أكثر من ثلاثة أرباع الشعب ‏السوداني، طالتهم هذه الحرب بشكلٍ أو بآخر. ‏نزوح. جوع. فقر. مرض. فقدان للمنازل. فقدان للأحبة. وفقدان للأمل أحياناً. ‏

فأي كأسٍ نفرح بها ونحن نُحصي جراحنا بالملايين؟ ‏

ومع ذلك بدا المشهد وكأن القضية الوطنية الكبرى هي من سيرفع الكأس الذهبية، وكأن ‏البطولة تُقام بين الأبيض ونيالا، أو بين أم درمان والفاشر‎

الأطفال الذين لم يشاهدهم أحد:‏

قبل يومين رفعتُ على حالتي في الواتساب، طوال يومين متتاليين، مقطعاً لأطفالٍ سودانيين ‏يتضوّرون جوعاً، يرتجفون من برد لا يرحم، تتقطّع القلوب أمام هيئاتهم الذابلة، وتبكي أمامهم ‏العين التي نفدت دموعها منذ زمن. ‏

أطفال لا يبحثون عن كأس العالم. ‏

ولا عن الكرة الذهبية. ‏

ولا عن ترتيب الفيفا. ‏

كانوا يبحثون عن وجبة. عن بطانية. عن جرعة دواء. عن مأوى. عن ليلة لا ينامون فيها جوعى‎.‎ رفعته وأنا أعلم أن قلة من ستلتفت إليهم، لأن العالم مشغولٌ بترفٍ آخر، ونحن، وا أسفاه، ‏انشغلنا معه. ‏

فلم تجد تلك المقاطع، بكل ما حملته من ألم، نصف الحماس الذي وجدته مباراة كرة قدم، ‏ولم تجد نصف التعليقات، ولم تجد نصف الانفعال. ‏

وهنا بدأت أسأل نفسي: هل أصبحت مآسينا عادية إلى هذا الحد؟ وهل تحوّل الجوع إلى خبر ‏عابر، بينما أصبحت نتيجة مباراة حدثاً مصيرياً؟

المفارقة الموجعة، نفرح بالوكالة:‏

المحرك الحقيقي لمقالي هذا: هو أنني تابعتُ، بسخريةٍ مُرّة، حالات معظم أبناء شعبي، وهم ‏يفرحون بفوز إسبانيا فرحاً لا يضاهيه فرح، وكأن السودان هو من أحرز الكأس، لا إسبانيا. ‏

وفي المقابل، رأيتهم يتريّقون على ميسي والأرجنتين، يسخرون منهما وكأنهما خسرا باثني عشر ‏هدفاً نظيفاً وخرجا من الدور الأول، لا أنهما وصلا إلى نهائي العالم وخسرا بهدفٍ وحيدٍ في ‏الوقت الإضافي أمام فريقٍ لم تهتز شباكه في البطولة كلها سوى مرة واحدة‎.‎

والأطرف من ذلك، أن كثيرين منا يتعاملون مع منتخبات العالم وكأنها أندية أحيائنا. ‏ فإذا خسر ميسي قامت المآتم، وإذا خسر منتخب آخر انطلقت حفلات الشماتة، ولو استمع ‏إليك أجنبي لظن أن السودان خرج لتوه من منصة التتويج العالمية. ‏

الغريب أن بعضنا كان يحتفل وكأن المنتخب الفائز يمثل حيّه الشعبي أو قريته أو قبيلته، ‏وبعضنا حزن وكأن المنتخب الخاسر هو فريقه الذي نشأ معه في الحواري‎.‎

هذه هي المفارقة التي أوجعتني: شعبٌ يبكي أطفاله جوعاً بالنهار، ويفرح لانتصار غريبٍ عنه ‏بالليل، وكأن لا علاقة بين الوجعين. ‏

وهنا تبدأ المأساة الحقيقية: نحن لا نفرح لأننا فزنا، ولا نحزن لأننا خسرنا. ‏ نحن نفرح ونحزن بالوكالة، وكأننا استأجرنا أمجاد الآخرين لنغطي بها عجزنا عن صناعة ‏أمجادنا‎

شهادة ميلادٍ اصفرّت أوراقها:‏

علاقة السودان بكرة القدم، في تقديري، أشبه ما تكون بعلاقة جدتي بثقب الأوزون؛ لم ‏تسمع به، لكنها لا تملك ترف الانشغال به والبحث عنه وهي تبحث عن رغيف خبزٍ ليومها. ‏

نحن كذلك تماماً في تصنيفات الفيفا، بل وربما في تصنيفات الاتحاد الأفريقي نفسه، نقف في ‏ذيل القائمة، ولا نملك من أمجاد الكرة سوى فخرٍ قديمٍ اصفرّت أوراقه: أننا من مؤسسي كأس ‏أفريقيا، وأننا أحرزنا بطولتها عام 1970. ‏

مجدٌ يعود إلى ستة وخمسين عاماً خلت، نستند إليه اليوم كما يستند الغريق إلى قشة‎.‎ وكلما ضاقت بنا السبل أخرجنا شهادة الميلاد القديمة لنقول للعالم: نحن من مؤسسي كأس ‏الأمم الأفريقية، ونحن أبطال أفريقيا 1970، ثم ينتهي الحديث. ‏

وكأن رجلاً تجاوز الثمانين من عمره وما زال يتحدث كل صباح عن هدف أحرزه في مباراة ‏مدرسية قبل نصف قرن، او تماماً مثل رجلٍ ظل يروي للناس قصة نجاحه في الثانوية العامة ‏منذ خمسين عاماً، بينما لم ينجز شيئاً بعدها‎

حين تتحوّل الكرة إلى مخدر:‏

المشكلة ليست في حب كرة القدم. ‏

كرة القدم جميلة. ‏

وتوحّد الشعوب. ‏

وتمنح الناس لحظات فرح يحتاجونها بشدة. ‏

لكن المشكلة تبدأ حين تتحوّل الكرة إلى مخدرٍ جماعي، إلى وسيلة نهرب بها من رؤية الحقيقة، ‏إلى ستارٍ نغطي به حجم الكارثة التي نعيشها‎.‎

كيف يمكن لشعبٍ يعيش حرباً أرهقت الملايين، وشرّدت الملايين، وأفقرت الملايين، أن يدخل ‏في معارك كروية أشد حرارة من نقاشه لمستقبله؟ ‏

كيف أصبح الجدل حول نتيجة مباراة أكثر حضوراً من الجدل حول مصير وطن؟ ‏

وكيف صرنا نحفظ أسماء لاعبي المنتخبات العالمية لاعباً لاعباً، بينما نعجز عن الاتفاق على ‏طريق الخروج من أزماتنا؟ ‏

وكيف أصبح خبر هدفٍ في مرمى ما أكثر تداولاً من خبر أسرةٍ نامت بلا عشاء؟

شهادة صديق، خط الفقر الكروي:‏

وقرأتُ، في خضم هذا كله، مقال صديقي العزيز مبارك صباحي، الذي جاء ليسند فكرتي هذه ‏بمادةٍ راسخة: أننا، ببساطة، لا نملك سبباً واحداً وجيهاً لنفرح بهذا الكأس، ولا لنحزن على من ‏خسره، فنحن أصلاً نعيش تحت خط الفقر الكروي، وهذا العالم، بكل بطولاته وأضوائه ‏واحتفالاته، لا يضعنا في حسابه أصلاً كشعب، لا من قريب ولا من بعيد‎.‎

العالم لا ينتظر رأينا في ميسي، ولا يسأل عن موقفنا من إسبانيا أو الأرجنتين، ولا يتأثر بغضبنا، ‏ولا يفرح بتشجيعنا. ‏

بل إن العالم بالكاد يتذكر أحياناً أن هناك بلداً اسمه السودان يغرق في أزماته. ‏

أما نحن، فما زلنا نتصرف أحياناً كأننا مركز الكون الكروي، بينما الحقيقة المؤلمة أن العالم ‏الكروي نفسه لا يضع السودان ضمن حساباته الكبرى‎

وجهٌ واحدٌ رأيته خلف الكأس:‏

فحين رفع رودري الكأس فوق رؤوس زملائه في نيوجيرسي، وحين خرج ميسي صامتاً من ملعبه ‏الأخير، لم أرَ الكأس. ‏

رأيت وجهاً آخر تماماً: وجه طفلٍ سوداني يرتجف من البرد، لا يعرف شيئاً عن ريال مدريد أو ‏برشلونة، ولا عن ميسي أو رودري، ولا عن الكرة الذهبية. ‏

كل ما يعرفه أن بطنه خاوية، وأن الليل طويل، وأن البرد قاسٍ، وأن أحداً لا يسمع صوته‎.‎

ثم فتحت هاتفي، فوجدت شعباً بأكمله يعيش معركة أخرى؛ معركة من فاز ومن خسر، معركة ‏من يستحق الكأس ومن لا يستحقها، معركة من الأفضل: ميسي أم ( الأمين جمال) ؟ ‏

أما السودان نفسه، فبدا وكأنه خارج البطولة، وخارج التاريخ، وخارج الشاشة أيضاً. ‏

عندها لم أبكِ على المنتخب الخاسر، ولم أبكِ لأن بطلي المفضل لم يفز. ‏

بكيت على السودان. ‏

بكيت على وطنٍ يستهلك الأحلام أكثر مما يصنعها، ويبذل في تشجيع الآخرين من العاطفة ‏أكثر مما يبذله في مواجهة مأساته. ‏

بكيت على شعبٍ أصبح يشاهد نهائي كأس العالم بعينين مفتوحتين، بينما ينظر إلى جراح ‏وطنه بعينين مغمضتين‎.‎

اليوم الذي أنتظره:‏

ليس المطلوب أن نتوقف عن مشاهدة كرة القدم، ولا عن كأس العالم. ‏

فالناس تحتاج إلى فسحة فرح، وتحتاج إلى ما يخفف عنها ثقل الحياة. ‏

لكن المطلوب ألا تصبح فسحة الفرح وطناً بديلاً، وألا تتحوّل انتصارات الآخرين إلى تعويضٍ ‏دائم عن عجزنا عن صناعة انتصارنا‎.‎

ففي اللحظة التي رفعت فيها إسبانيا كأس العالم، وبينما كانت الجماهير تحتفل بالكأس، ‏كنت أتمنى فقط أن أرى السودان يرفع رأسه. ‏

كنت أتمنى أن يأتي يومٌ نحتفل فيه بشيءٍ يخصنا نحن، بإنجازٍ صنعناه بأيدينا، بخبرٍ جميل ‏يحمل اسم السودان، لا نستعيره من الآخرين، بيومٍ لا نكون فيه مجرد متفرجين في المدرجات ‏البعيدة، نصفّق لانتصارات غيرنا ونحزن على هزائم غيرنا‎.‎

ذلك اليوم فقط… لن أبكي على السودان. بل سأبكي فرحاً به‎.‎

اللهم ارفع عن السودان وعن أهل السودان البلاء، وأعد إليهم الأمن والاستقرار، وأطعم ‏جائعهم، وآوِ نازحهم، واجبر كسر مكلومهم، واحفظ لهم ما تبقى من أملٍ وفرحٍ يدّخرونه ليوم ‏النصر الحقيقي، يوم يعود السودان إلى أهله، لا إلى قوائم الفيفا‎.‎

‏ عادل ود سهل ‏

الدوحة – 21 يوليو 2026‏