
لغز طائرات البوينج.. تحقيق يكشف صلة متعاقد أمريكي بخطوط إمداد الدعم السريع
الغد السوداني (وكالات) – كشف تحقيق موسع أجرته وكالة رويترز عن شبكة طيران مرتبطة بشركات يسيطر عليها الجندي الأمريكي السابق في القوات الخاصة ستيفن شاوليس، قال إنها أدارت أسطولاً من طائرات بوينج 737 و727 القديمة التي كانت تنفذ رحلات إلى مراكز لوجستية استخدمتها قوات الدعم السريع خلال الحرب في السودان.
وبحسب التحقيق، فإن شاوليس (63 عاماً) يرأس شركة CADG التي تتخذ من سنغافورة مقراً لها، والمعروفة سابقاً باسم Central Asia Development Group، وهي شركة نفذت على مدى أكثر من عقدين عقوداً مع الحكومة الأمريكية والأمم المتحدة في مجالات البنية التحتية والخدمات اللوجستية والمطارات.
وتظهر سجلات رسمية، وفق رويترز، أن شركات شاوليس حصلت على ما لا يقل عن 419 مليون دولار من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين عبر مشاريع عسكرية ومساعدات خارجية، شملت إنشاء مرافق للقوات الأمريكية في أفغانستان، وأنظمة تكييف في العراق، وأعمالاً بمطار تابع لوزارة الدفاع الأمريكية في كينيا، إضافة إلى مشاريع في أفريقيا وآسيا.
لكن التحقيق توصل إلى أن شركات يسيطر عليها شاوليس قامت بتشغيل ثلاث طائرات بوينج على الأقل كانت تربط بين نجامينا في تشاد، والكفرة في ليبيا، وبوصاصو في الصومال، ونيالا في دارفور، وهي مواقع وصفها خبراء أمميون ودبلوماسيون بأنها شكلت مراكز إمداد رئيسية لقوات الدعم السريع خلال حصار مدينة الفاشر.
وأكدت رويترز أنها لم تجد أي دليل على أن شاوليس أو شركاته يخضعون لعقوبات أو يواجهون اتهامات جنائية، كما لم تثبت بصورة مباشرة طبيعة الحمولات التي كانت تنقلها الطائرات أو الجهة التي تمول تشغيلها، إلا أن مسارات الرحلات ربطتها بشبكة الإمداد التي اعتمدت عليها قوات الدعم السريع.
بداية الخيط
بدأ التحقيق من طائرة بوينج 737 دمّرها الجيش السوداني داخل مطار نيالا في مايو 2025. ونقلت رويترز عن مصدر مطلع أن الضربة أسفرت عن مقتل 54 شخصاً، بينهم 51 مقاتلاً من قوات الدعم السريع.
وأوضحت الوثائق التي اطلعت عليها الوكالة أن قائد الطائرة ومهندساً أرضياً كانا يعملان لدى شركة Occidental Support Services، وهي شركة إماراتية مملوكة بالكامل لشاوليس.
كما رصد التحقيق طائرتين أخريين من طراز بوينج 727 وصلتا إلى تشاد بعد شرائهما من الولايات المتحدة والبرازيل، ونفذتا لاحقاً رحلات إلى مراكز إمداد مرتبطة بقوات الدعم السريع.
وامتنع شاوليس عن الرد على الأسئلة التفصيلية بشأن شركاته أو نشاط الطائرات، كما لم يقدم الجيش السوداني أو قوات الدعم السريع رداً على استفسارات رويترز.
شبكة إمداد واسعة
استند التحقيق إلى مراجعة واسعة لسجلات الشركات والطيران، وعقود البيع والتوظيف، وصور الأقمار الصناعية، وبيانات تتبع الرحلات، وبيانات هواتف محمولة، ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، إضافة إلى مقابلات مع أكثر من 40 مسؤولاً وخبيراً ودبلوماسياً ومديراً لشركات طيران.
وقال كريستوفر كارلسون، من منظمة Small Arms Survey، إن قوات الدعم السريع تعتمد على “شبكات إمداد دولية معقدة تشمل النقل الجوي والبري وعدداً كبيراً من الوسطاء ومقدمي الخدمات اللوجستية”.
وأظهرت بيانات تتبع الرحلات وصور الأقمار الصناعية أن الطائرات الثلاث هبطت 16 مرة على الأقل في مطارات بوصاصو والكفرة ونيالا، بينما كانت تتمركز غالباً داخل القسم العسكري من مطار نجامينا في تشاد.
ويرى خبراء أمميون ودبلوماسيون أن هذه المطارات لعبت دوراً محورياً في الجسر الجوي الذي دعم قوات الدعم السريع خلال حصار الفاشر الذي استمر 18 شهراً وانتهى بسيطرة القوات على المدينة في أكتوبر الماضي.
تحذيرات قانونية
وأشار خبراء في العقوبات إلى أن تقديم خدمات لوجستية أو نقل بضائع أو أفراد مع العلم بأنها تخدم قوات الدعم السريع قد يشكل مخالفة للعقوبات الأمريكية وبعض العقوبات الدولية.
ولم ترد حكومة الإمارات أو وزارة الدفاع الأمريكية أو سلطات شرق ليبيا على أسئلة رويترز.
من جهتها، قالت الحكومة التشادية إن دورها يقتصر على دعم جهود السلام، فيما أكد مدير هيئة الطيران المدني في تشاد أن الطائرات المذكورة لم تحصل على تصاريح تشغيل رسمية داخل البلاد.
نقطة تحول في الحرب
قال الجيش السوداني إنه استهدف طائرة البوينج في نيالا لأنها كانت تنقل إمدادات إلى قوات الدعم السريع.
ووفق التحقيق، شكل تدمير الطائرة منعطفاً في مسار الحرب، إذ أعقبته هجمات بالطائرات المسيّرة استهدفت مدينة بورتسودان، قبل أن تعلن الحكومة السودانية قطع علاقاتها الدبلوماسية مع الإمارات، متهمة إياها بدعم قوات الدعم السريع، وهو ما تنفيه أبوظبي باستمرار، مؤكدة أن دورها يقتصر على تقديم المساعدات الإنسانية.
طائرات أمريكية قديمة
بعد أسابيع من تدمير طائرة نيالا، اشترت شركة مرتبطة بشاوليس طائرة بوينج 727 صنعت عام 1980 من شركة Kalitta Charters الأمريكية، ثم لحقتها طائرتان أخريان من الطراز نفسه.
وقال محامي الشركة الأمريكية إن عملية البيع سبقتها مراجعات امتثال للعقوبات، ولم تُسجل أي مخالفات بحق المشترين.
لكن صور الأقمار الصناعية وبيانات الهواتف المحمولة التي حللتها رويترز أظهرت أن إحدى الطائرات نفذت سبع رحلات على الأقل بين نجامينا والكفرة خلال عام 2025، كما ظهرت في مقطع مصور وهي تهبط في مطار نيالا.
في المقابل، نفى كريج مونرو، الشريك التجاري لشاوليس والرئيس التنفيذي لشركة Contractor Airways، وجود أي علاقة بين شركته وقوات الدعم السريع، مؤكداً أن الرحلات كانت مخصصة لنقل معدات طبية.
طائرة قادمة من البرازيل
كما تتبع التحقيق طائرة بوينج 727 أخرى بيعت من شركة Total Linhas Aéreas البرازيلية مقابل نحو مليون دولار، قبل أن تنتقل إلى شركة مرتبطة بشاوليس وتصل إلى تشاد عبر مدينة ناتال البرازيلية.
وأظهرت صور الأقمار الصناعية أن الطائرة خضعت لصيانة داخل نجامينا، ثم نفذت ثلاث رحلات على الأقل إلى مطار الكفرة الليبي خلال عامي 2025 و2026، بالتزامن مع زيادة ملحوظة في حركة الشحن الجوي نحو المنطقة.
وفي يوليو 2026 رصدت صور الأقمار الصناعية نقل الطائرات الثلاث من القسم العسكري في مطار نجامينا إلى موقع آخر، في أحدث تطور رصدته رويترز ضمن تحقيقها الذي وصف شبكة الطيران بأنها تمثل إحدى حلقات منظومة الإمداد الإقليمية التي اعتمدت عليها قوات الدعم السريع خلال الحرب في السودان.
