في ندوة “سودان محبة” خبراء..السلام يبداء بتفكيك العنصرية وبناء دولة المواطنة

الخرطوم / الغد السوداني ، حسين سعد – في الوقت الذي يترقب فيه ملايين السودانيين نهاية حربٍ مزقت البلاد وأجبرت الملايين على النزوح واللجوء، تتصاعد الدعوات إلى عدم اختزال أزمة السودان في وقف إطلاق النار وحده. فالحرب، على قسوتها، لم تخلق العنصرية وخطاب الكراهية، لكنها كشفت جذوراً أعمق ظلت كامنة في بنية الدولة والمجتمع لعقود، قبل أن تتحول خلال الصراع إلى أداة للتحريض والتعبئة والانقسام. ويرى خبراء أن السلام الحقيقي لن يتحقق بمجرد إسكات البنادق، بل يبدأ بمواجهة الإرث التاريخي للتمييز، وإعادة بناء الدولة على أسس المواطنة المتساوية، والعدالة، والاعتراف بالتنوع، حتى لا تتكرر أسباب الحرب التي لم تخلق العنصرية وخطاب الكراهية، لكنها كشفت ما ظل يتراكم لعقود داخل بنية الدولة والمجتمع، وحولت الانقسامات التاريخية إلى أدوات للتعبئة العسكرية والسياسية، فامتدت آثارها من ساحات القتال إلى الفضاء الرقمي والإعلام، ومن العلاقات الاجتماعية إلى مستقبل التعايش بين السودانيين، وبناء مشروع وطني يعالج الأسباب البنيوية التي صنعت الانقسام، ويؤسس لدولة تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة والاعتراف بالتنوع.

سودان محبة..

هذا التشخيص كان محور الجلسة الحوارية التي نظمتها حملة “سودان محبة” بعنوان “العنصرية وخطاب الكراهية: السياق الحالي وسبل المواجهة”، بمشاركة قانونيين وأكاديميين وإعلاميين ودبلوماسيين وناشطين في المجتمع المدني، ناقشوا الأبعاد التاريخية والقانونية والسياسية والإعلامية للظاهرة، وقدموا رؤية متكاملة لمعالجة واحدة من أخطر القضايا التي تواجه السودان في مرحلة الحرب وما بعدها.
وأكد المشاركون أن الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لم تنشئ خطاب الكراهية، وإنما ضاعفت تأثيره، وحولته إلى أداة لتعبئة المجتمعات على أسس قبلية وإثنية وجهوية، الأمر الذي يجعل معالجة هذه الظاهرة شرطاً أساسياً لبناء سلام مستدام، وليس مجرد قضية أخلاقية أو إعلامية.
التمييز و العنصرية..

استهل الخبير القانوني علي عجب الجلسة بالتأكيد على أن العنصرية ليست غريزة فطرية، وإنما منظومة من الأفكار والمفاهيم يكتسبها الإنسان من محيطه الاجتماعي منذ سنواته الأولى، وتقوم على الاعتقاد بتفوق جماعة أو عرق على آخر. وأوضح أن خطورة هذه الأفكار تتضاعف عندما تتبناها السلطات أو النخب المؤثرة، فتتحول إلى سياسات وتشريعات وممارسات تكرس الإقصاء والتمييز.
وأشار إلى أن الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام تتحمل مسؤولية أساسية في تشكيل وعي الأطفال، داعياً إلى إدراج قيم احترام التنوع والمساواة في المناهج الدراسية منذ مرحلة رياض الأطفال، انسجاماً مع توصيات الأمم المتحدة الخاصة بمكافحة التمييز.
كما ميز بين الإشادة بالصفات الإيجابية لبعض المجتمعات باعتبارها تعبيراً ثقافياً، وبين التعميمات السلبية التي تحط من قدر جماعات بشرية، مؤكداً أن هذا النوع الأخير يمثل المدخل الحقيقي لخطاب الكراهية.
وحذر علي عجب من خطورة الإعلام عندما يتحول إلى منصة للتحريض، مستشهداً بتجربة رواندا، حيث لعبت بعض وسائل الإعلام دوراً مباشراً في التحريض على الإبادة الجماعية من خلال تجريد الضحايا من إنسانيتهم، مؤكداً أن الكلمة قد تصبح أكثر فتكاً من الرصاص عندما تستخدم لإشعال الكراهية.

فشل بناء الدولة..

وربط المحامي الصادق علي حسن جذور العنصرية بطريقة تأسيس الدولة السودانية بعد الاستقلال، معتبراً أن غياب مشروع وطني جامع أسهم في تغليب الولاءات القبلية والجهوية على حساب الهوية الوطنية.
وقال إن الأحزاب السياسية أخفقت طوال العقود الماضية في إنتاج رؤية تستوعب التنوع السوداني، كما أن التنمية غير المتوازنة بين الأقاليم عمقت الشعور بالتهميش وعدم المساواة.
وأكد أن النصوص الدستورية التي تحظر التمييز ظلت عاجزة عن إحداث تغيير حقيقي بسبب ضعف تطبيق القانون وغياب الإرادة السياسية، مشيراً إلى أن بعض التشريعات الاستثنائية استخدمت أحياناً لاستهداف مجموعات بعينها، الأمر الذي أضعف الثقة في مؤسسات العدالة.
كما لفت إلى أن بعض السودانييين في الخارج أصبحوا، للأسف، يعيدوا إنتاج الاستقطاب الداخلي عبر وسائل التواصل الاجتماعي من خلال بث محتوى إعلامي يمزق وحدة البلاد بدلاً من الإسهام في نشر ثقافة الحوار والسلام.
ودعا الصادق إلى أعلام ينبذ العنصرية ويدعو للسلام وبناء الوجدان المشترك بين السودانيين والسودانيات
مداخلات عديدة..

وشهدت الندوة التي استمرت نحو ثلاث ساعات مداخلات عديدة من المشاركين والمشاركات حيث أكدت الأستاذة سعدية عيسى أن العنصرية في السودان ليست مرتبطة بالحرب أو بحكومة بعينها، وإنما هي نتاج تراكمات اجتماعية وثقافية امتدت لعقود طويلة، مشيرة إلى أن المناهج التعليمية ساهمت في إعادة إنتاج هذه الثقافة بسبب ضعف الاهتمام بالتربية الوطنية وقيم التنوع والمساواة.
وشددت على أن إصلاح التعليم يمثل المدخل الأهم لبناء مجتمع يتقبل اختلافاته ويحولها إلى مصدر قوة بدلاً من أن تكون سبباً للصراع.
أما السفير إبراهيم طه أيوب، فرأى أن أحد الأسباب الرئيسية للأزمة يتمثل في تغييب التاريخ السوداني المتعدد، وعدم تقديم حضارات السودان القديمة وثقافاته المختلفة باعتبارها جزءاً من الهوية الوطنية المشتركة.
وأوضح أن الاعتراف بالتنوع التاريخي والثقافي من شأنه أن يعزز الانتماء الوطني ويحد من النزعات الإقصائية التي غذت الصراعات خلال العقود الماضية.
بدوره، أكد الأستاذ عبد المنعم خليفة أن اختلال مسار التنمية بين أقاليم السودان كان من أبرز العوامل التي عمقت الشعور بالتهميش، موضحاً أن كثيراً من المشروعات التنموية خضعت للاعتبارات السياسية أكثر من اعتمادها على احتياجات المواطنين أو الدراسات العلمية، وهو ما أسهم في خلق بيئة خصبة لنمو الاحتقان والانقسامات.
الحرب حولت الهوية إلى أداة للصراع
واتفق المشاركون على أن الحرب الحالية وفرت بيئة مثالية لازدهار خطاب الكراهية، حيث تحولت الانتماءات القبلية والإثنية إلى أدوات للتعبئة العسكرية والسياسية، وأصبحت اللغة نفسها جزءاً من معركة تستهدف نزع الإنسانية عن الآخر.
وأشار المتحدثون إلى أن تجربة دارفور تقدم مثالاً واضحاً على خطورة توظيف الهوية في النزاعات، محذرين من أن استمرار هذا النهج بعد الحرب سيقود إلى إعادة إنتاج العنف بأشكال جديدة.
وفي محور الإعلام، شدد الإعلامي صلاح الدين إدريس على ضرورة التمييز بين الصحافة المهنية والنشاط الإلكتروني غير المنظم، مؤكداً أن كثيراً من المحتوى المحرض على الكراهية لا يصدر عن صحفيين محترفين، وإنما عن حسابات ومنصات رقمية تعمل خارج الضوابط المهنية، وبعضها يحصل على تمويل سياسي أو عسكري لإنتاج خطاب يخدم أجندات الصراع.
ودعا إلى وضع تعريف قانوني واضح للإعلامي، وتطوير التشريعات الخاصة بالجرائم الرقمية، مع تعزيز أخلاقيات العمل الصحفي وتدريب الإعلاميين على التغطية الحساسة للنزاعات.

توصيات ختامية..

وخلصت الندوة إلى أن السودان يقف أمام لحظة مفصلية، فإما أن يكتفي بوقف الحرب ويترك الجراح الاجتماعية مفتوحة، أو ينطلق نحو مشروع وطني يعالج جذور العنصرية وخطاب الكراهية عبر العدالة الانتقالية، وإصلاح التعليم ، وسيادة القانون، وإعادة الاعتبار للتنوع بوصفه مصدر قوة لا سبباً للصراع. وأكدت التوصيات أن بناء السلام المستدام لا يبدأ من اتفاقات وقف إطلاق النار وحدها، وإنما من إعادة بناء الثقة بين السودانيين، وترسيخ دولة المواطنة المتساوية التي تكفل الحقوق لجميع أبنائها دون تمييز، حتى لا يعاد إنتاج الحرب بأدوات مختلفة بعد صمت السلاح.
كما دعت التوصيات إلى توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد المحتوى المحرض على الكراهية، وتحديث التشريعات لمواكبة الجرائم الرقمية، وتعزيز التعاون مع شركات التكنولوجيا للحد من انتشار الحسابات الوهمية والمنصات التي تبث خطاب الكراهية.
وتدريب الإعلاميين والقضاة والمحامين، وتطوير التشريعات الخاصة بخطاب الكراهية، وتوسيع حملات التوعية الرقمية، وإشراك الشباب في قيادة المبادرات المناهضة للكراهية، وتحويل حملة “سودان محبة” إلى مؤسسة دائمة تعنى بالتوعية والبحث والتوثيق.
واختتمت الندوة برسالة واضحة مفادها أن السودان لن يخرج من دوامة الحروب بمجرد التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وإنما عبر مواجهة الإرث التاريخي للتمييز، وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع، وترسيخ دولة المواطنة والعدالة التي يشعر فيها كل سوداني، مهما كان انتماؤه، بأنه شريك كامل في الوطن.