
من “عروس مزيفة” إلى أيقونة ثقافية.. قصة حياة استثنائية تنتهي برحيل كاثرين ليفين
الخرطوم، الغد السوداني – غيّب الموت الناشطة المناهضة للفصل العنصري وعالمة الأنثروبولوجيا والناشرة البارزة كاثرين ليفين عن عمر ناهز 81 عاماً، بعد مسيرة حافلة امتزجت فيها المعرفة الأكاديمية بالنضال السياسي، وارتبط اسمها بدعم وتوثيق تجربة زوجها، الفنان السوداني العالمي إبراهيم الصلحي، أحد أبرز رواد الحداثة التشكيلية في أفريقيا والعالم.
وشكّل رحيل ليفين، أمس الأول، صدمة في الأوساط الثقافية والحقوقية الدولية، حيث وُصفت بأنها “حارسة الحداثة الأفريقية”، نظراً لدورها المحوري في إعادة تقديم الفن الأفريقي المعاصر برؤية علمية حديثة، وفي حماية إرث الصلحي وتوثيقه على مدى عقود.
من قاعات كامبريدج إلى خطوط المواجهة
وُلدت ليفين عام 1945، ودرست الأنثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة كامبريدج، قبل أن تنال الدكتوراه من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن. غير أن مسارها لم يظل أكاديمياً بحتاً؛ إذ انخرطت مبكراً في النضال ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
في سبعينيات القرن الماضي، انضمت إلى جماعة سرية عُرفت باسم “مجندو لندن”، عملت على دعم المؤتمر الوطني الأفريقي، حيث شاركت في عمليات تهريب أسلحة ومقاتلين عبر الحدود من زامبيا إلى بوتسوانا، متنكرة في هيئة “عروس ثرية” لتفادي الشبهات، في واحدة من أخطر المهمات التي جسدت التزامها العميق بقضايا الحرية.
رفيقة المنفى وذاكرة الفن
لم يكن حضور ليفين في حياة الصلحي مجرد دور تقليدي، بل شكّلت ركيزة أساسية في مسيرته الفنية والنضالية. فقد رافقته خلال محطات الاعتقال في السودان في سبعينيات القرن الماضي، ثم خلال سنوات المنفى في الخليج وأوروبا.
وعُرفت بدورها كـ“مديرة استوديو” ومؤرخة لأعماله، حيث ساهمت في جمع أرشيف ضخم ونادر لأعماله منذ خمسينيات القرن الماضي. ويُنسب إليها الفضل في تنظيم المعرض الاستعادي الكبير للصلحي في تيت مودرن عام 2013، والذي مثّل نقطة تحول في الاعتراف العالمي بالفن السوداني الحديث.
مشروع فكري يتجاوز الفن
امتدت إسهامات ليفين إلى مجالات أوسع، إذ شاركت في تأسيس مجلة مراجعة الاقتصاد السياسي الأفريقي في سبعينيات القرن الماضي، كما ترأست “شبكة بيلاجيو للنشر” في التسعينيات، وهي مبادرة دولية دعمت صناعة الكتاب والنشر في بلدان الجنوب العالمي.
وبحسب مقربين منها، كانت تؤمن بأن “السرديات لا تقل أهمية عن النضالات”، وأن تمكين شعوب أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية من رواية قصصها هو جزء لا يتجزأ من معركة التحرر.
إرث إنساني وثقافي
برحيل كاثرين ليفين، تفقد الساحة الثقافية شخصية استثنائية جمعت بين الفكر والميدان، وبين الفن والسياسة. لكنها تترك وراءها إرثاً ممتداً في عائلتها، حيث خلّفت زوجها إبراهيم الصلحي، وأبناءها زكي وزين وشاما وريا، إضافة إلى أحفادها.
ويجمع نقاد ومتابعون على أن أثرها سيظل حاضراً، ليس فقط في أعمال زوجها التي ساهمت في صونها، بل في مسارات كاملة من الفكر النقدي والنشر المستقل في العالم النامي.
