دمٌ على الكاميرا
في بلدٍ تتقاطع فيه أصوات الرصاص مع صرخات الأمهات، ويصبح فيه الوصول إلى الحقيقة مغامرة قد تكلف الحياة، جاءت لحظة الاعتراف العالمي كنافذة ضوء صغيرة في جدار العتمة.
فقد أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) فوز نقابة الصحفيين السودانيين بـجائزة اليونسكو/غييرمو كانو العالمية لحرية الصحافة لعام 2026، تكريماً لمسيرة مهنية كُتبت تحت القصف، وسُجلت بمداد الخوف والصمود.
لم يكن هذا الفوز مجرد تتويج مهني، بل شهادة حية على أن الصحافة في السودان لم تمت، رغم كل ما حاول دفنها.
على مدى سنوات الحرب التي دخلت عامها الرابع، لم يكن الصحفي السوداني شاهداً محايداً فقط، بل كان هدفاً مباشراً. 32 صحفياً دفعوا حياتهم ثمناً، و556 انتهاكاً وُثقت ضد العاملين في الحقل الإعلامي منذ اندلاع القتال في 2023. أرقام تبدو باردة على الورق، لكنها في الواقع حكايات عائلات مكسورة، وأصوات أُسكتت بالقوة.
ورغم ذلك، واصلت النقابة—التي وُلدت من رحم انتخابات حرة بعد ثلاثة عقود من التغييب—دورها في توثيق الانتهاكات، ورفع الصوت عالياً في وجه الاستهداف الممنهج للصحفيين. لم تكن مجرد مؤسسة نقابية، بل تحولت إلى خط دفاع أخير عن الحقيقة، في بلدٍ تتآكل فيه المؤسسات واحدة تلو الأخرى.
سيُسلم هذا التكريم في مقر اليونسكو بالعاصمة باريس، بالتزامن مع اليوم العالمي لحرية الصحافة 2026، الذي يُرفع هذا العام تحت شعار “صياغة مستقبل السلام”.
شعار يبدو، بالنسبة للسودانيين، أقرب إلى أمنية ثقيلة أكثر من كونه واقعاً قابلاً للتحقق.
المدير العام لليونسكو، خالد العناني، وصف الصحفيين السودانيين بأنهم نموذج يُحتذى به في الالتزام بالحقيقة رغم المخاطر، مشيراً إلى أن دورهم لا يقتصر على نقل الخبر، بل يمتد إلى دعم السلام وتعزيز المساءلة.
تصريح يحمل بعداً أخلاقياً، لكنه أيضاً يضع العالم أمام مسؤوليته: ماذا بعد الإشادة؟
من جهته، قال رئيس النقابة عبد المنعم أبو إدريس علي إن الجائزة ليست للنقابة وحدها، بل لكل صحفي سوداني يواصل العمل وسط التهديد، ولكل كاميرا لم تُكسر، ولكل قلم لم يُكسر.
هي، ببساطة، تكريم للنجاة… بقدر ما هي تكريم للمقاومة.
لكن المفارقة المؤلمة أن هذا الاعتراف الدولي يأتي في وقت لا تزال فيه بيئة العمل الصحفي في السودان واحدة من الأخطر عالمياً.
الصحفي هناك لا يخشى فقط الرصاصة، بل الاعتقال، والاختفاء، والانقطاع عن مصادره، وحتى فقدان القدرة على الوصول إلى الإنترنت أو الكهرباء.
إنها مهنة تُمارس في ظروف أقرب إلى البقاء منها إلى العمل.
في هذا السياق، تبدو الجائزة كرسالة مزدوجة: الأولى إلى الداخل السوداني، بأن الصحافة لا تزال قادرة على الوقوف، حتى وهي تنزف. والثانية إلى العالم، بأن الحقيقة لا تزال تُكتب… لكنها تحتاج إلى من يحميها.
