الدكتاتورية المدنية وصناعة القيادات الوهمية

زين العابدين الطيب عثمان يكتب ..

عندما يتحدث السودانيون عن الدكتاتورية فإن أذهانهم تتجه مباشرة إلى الأنظمة العسكرية التي احتكرت السلطة وقيدت الحريات وأقصت المخالفين. غير أن التجربة السودانية المعاصرة كشفت عن وجه آخر للاستبداد لا يقل خطورة وهو ما يمكن تسميته بـ “الدكتاتورية المدنية” التي تمارسها بعض النخب والقيادات داخل مؤسسات العمل السياسي والمدني والمعارض.

فالمفارقة المؤلمة أن بعض القوى التي رفعت شعارات الديمقراطية والتعددية وحق المشاركة أصبحت تمارس داخل هياكلها نفس السلوك الإقصائي الذي ظلت تنتقده في الأنظمة الشمولية. حيث تتركز القرارات في أيدي مجموعات محدودة وتُغيب القواعد الجماهيرية وتُختزل المؤسسات في أشخاص بينما يتم التعامل مع الرأي الآخر باعتباره تهديداً لا مساهمة مشروعة في تطوير العمل العام.

إن أزمة هذه القيادات لا تتمثل فقط في ضعف خبرتها السياسية أو محدودية ارتباطها بالجماهير وإنما أيضاً في اعتقادها بأنها الأحق بالقيادة دون تفويض شعبي أو سند جماهيري حقيقي. فهي تتحدث باسم المواطنين أكثر مما تستمع إليهم وتقرر عنهم أكثر مما تشاورهم وتدعي تمثيلهم دون أن تمر عبر آليات ديمقراطية تمنحها تلك الشرعية.

ومن أخطر مظاهر هذه الدكتاتورية المدنية ظاهرة عزل المنظمات والقوى المجتمعية المستقلة وإقصاؤها من دوائر التأثير وصناعة القرار. فبدلاً من توسيع قاعدة المشاركة والاستفادة من التنوع الكبير في المجتمع المدني السوداني جرى حصر التمثيل في مجموعات محدودة تربطها علاقات شخصية أو مصالح مشتركة أو شبكات مغلقة من الصداقات والتحالفات.

كما برزت ظاهرة التعيينات القائمة على العلاقات الشخصية والمجاملات والشكليات على حساب الكفاءة والخبرة والاستحقاق. فأصبحت بعض المواقع القيادية تمنح على أساس القرب من مراكز النفوذ لا على أساس القدرة على الإنجاز أو حجم المساهمة الوطنية. وبدلاً من بناء مؤسسات قوية قائمة على اللوائح والمعايير الموضوعية تم تكريس ثقافة الولاء الشخصي والانتماء إلى الدوائر المغلقة.

وقد أدى هذا النهج إلى إضعاف المؤسسات المدنية والسياسية وإلى إنتاج قيادات تفتقر إلى الشرعية الشعبية وتعاني من هشاشة القاعدة الاجتماعية التي تستند إليها. كما ساهم في تعميق الشعور بالإحباط لدى قطاعات واسعة من الشباب والناشطين وأصحاب الكفاءات الذين وجدوا أنفسهم خارج معادلات الاختيار رغم امتلاكهم للقدرة والخبرة والاستعداد للعطاء.

إن الديمقراطية لا تتجزأ ولا يمكن المطالبة بها في مواجهة السلطة مع تجاهلها داخل المؤسسات المدنية والسياسية. فالقيادة التي لا تؤمن بالمشاركة داخل تنظيماتها لن تستطيع بناء نظام ديمقراطي في الدولة. والمؤسسات التي تقوم على الإقصاء والمحاصصة والعلاقات الشخصية لن تكون قادرة على إنتاج مشروع وطني جامع.

إن السودان بحاجة إلى ثورة حقيقية في مفهوم القيادة تقوم على الشفافية والمساءلة والتداول والاحتكام إلى الجماهير. فالقائد لا تصنعه الألقاب ولا العلاقات الدولية ولا شبكات المصالح الضيقة بل تصنعه ثقة الناس وقدرته على تمثيلهم والدفاع عن مصالحهم والعمل بينهم ومعهم لا فوقهم.

ولعل التحدي الأكبر أمام القوى المدنية والسياسية اليوم ليس فقط مواجهة الاستبداد التقليدي وإنما أيضاً التحرر من نزعات الاستبداد الكامنة داخلها. فالديمقراطية ليست شعاراً يرفع وإنما ممارسة يومية تبدأ من داخل المؤسسات قبل أن تمتد إلى فضاء الدولة