العمدة يس بابكر: مشروع الجزيرة لم “ينهار” بل “أُجهض” بفعل فاعل.. والترضيات والسرقات دمرت بنيتنا التحتية

​في حوار “كشف المستور” مع أحد قدامى مهندسي ومزارعي الجزيرة

الغد السوداني ،  أمين محمد الأمين
​يعد المهندس والمزارع “يس بابكر عبدالله شاع الدين”، عمدة مكتب نور الهدى (الشكابة)، أحد حراس الذاكرة الحية لمشروع الجزيرة. في هذا الحوار، لا يتحدث يس من برج عاجي، بل من واقع تجربة هندسية وميدانية طويلة. يفتح قلبه لـ “الغد السوداني” ليحلل أسباب الانهيار، بدءاً من أثر الحصار الأمريكي وصولاً إلى “القنابل الموقوتة” داخل القوانين الحالية، وكيف تحول المشروع من قاطرة للاقتصاد الوطني إلى ساحة للترضيات السياسية وسرقة مجهود المزارع.

بصفتكم من قدامى المهندسين والمزارعين في المشروع، كيف تنظرون إلى الجدل المثار حول زراعة “التمباك” داخل أراضي الجزيرة؟
​دعنا نتحدث بوضوح؛ زراعة التمباك في مشروع الجزيرة دخيلة وليس لها مكان. هو محصول لا يمثل غذاءً ولا علفاً، بل هو “خبث” لا فائدة منه ولا يصدر للخارج. أعتقد أن زراعته يجب أن تتوقف فوراً؛ لأنه ليس ضرورة للإنسان، وأراضي الجزيرة مخصصة لما ينفع الناس والاقتصاد.

متى بدأت “لحظة الانكسار” الحقيقية في تاريخ المشروع بعد عقود من النجاح؟
​المشروع كان ينطلق بقوة هائلة، لكن التحول الدراماتيكي بدأ مع الحصار الأمريكي عام 1983. شُلت حركة المشروع بسبب انعدام قطع الغيار والمدخلات المستوردة. تخيل أن الهندسة الزراعية كانت تمتلك قسماً لآليات “كاتربيلر” يضم 86 جراراً (بابور)، لم نكن نحتاج للقطاع الخاص، وكان العائد مربحاً جداً لزراعة 2 مليون فدان. ورش مارنجان كانت ورشاً بمواصفات عالمية، لكن الحصار بدأ ينخر في جسدها، ثم أتت “الإنقاذ” وأجهضت ما تبقى؛ حيث تم تكسير البنية التحتية، وشردوا علماءنا، مثل الخبير أحمد محمد آدم الذي استقطبته جنوب إفريقيا ليخطط نهضتها الزراعية بينما دمرنا نحن رينا.

هنالك حديث عن “تجاوزات مالية” في تحصيل الضرائب، أين كانت تذهب تلك الأموال؟ 
​لو أن الضرائب التي كنا ندفعها عن المساحات المزروعة (مثل الـ 4 ثلاثات) كانت تعود لميزانية الري، لأعدنا تأهيل المشروع بالتدريج. لكن الحقيقة أن تلك الأموال شابتها تجاوزات كبيرة؛ لم نكن نعلم هل تذهب لوزارة المالية أم لجيوب أخرى؟ هذا الغموض كان أحد أسباب الانهيار.

كيف تأثرت منظومة “الوقاية” التي كانت تميز قطن الجزيرة عالمياً؟
​زراعة القطن قديماً كانت تشبه “حالة الحرب” من حيث الاستنفار والدقة. كانت الوقاية تراقب القطن منذ أن يكون بذرة في “الحفرة” وحتى الحصاد. كانت منظومة علمية تتطور باستمرار، لكن مع غياب العناية تشرد الخبراء وأصبحت الوقاية اليوم “معدومة”، مما ترك المحاصيل فريسة للآفات.

أشرتم إلى أن مكتب “نور الهدى” كان “قلب المشروع النابض” بالبذور، ماذا حدث له؟
​مكتب نور الهدى كان مخصصاً لمزرعة البذور لكل المشروع؛ لم نكن نستورد بذوراً من الخارج. لكن مع الأسف، دخلت “الترضيات والعلاقات” ولخبطت الحسابات. روح المشروع تكمن في (الوقاية، الهندسة الزراعية، وإكثار البذور)، وإذا ضربت هذه المصالح، فقد ضربت روح الجزيرة.

وماذا عن المحالج والسكة حديد؟ لماذا توقفت تلك الماكينات الضخمة؟
​هذا هو السؤال المؤلم. كان لدينا 5 محالج في مارنجان والحصاحيصا والباقير، لماذا كُسرت وتوقفت؟ أما السكة حديد (الترماي)، فكانت هي الناقل الرئيس والعمود الفقري. تخيل أن “الترماي” يحمل 800 جوال ببرميل جاز واحد، بينما الشاحنة الآن تحمل 100 جوال بنفس كمية الجاز! دخول التجار في قطاع النقل دمر وسيلة نقل رخيصة ومعلماً بارزاً، وكل هذا الفارق في التكلفة يتحمله الإنتاج والمزارع.

وجهتم اتهامات قوية لمؤسسات المزارعين بالتعرض للسرقة، من المسؤول؟
​المزارع أصبح مستبعداً من مؤسساته التي أسسها بماله. “بنك المزارع” لم يعد للمزارعين فيه حق معلوم، و”مؤسسة الأقطان” سُرقت أيضاً. الكارثة أن الإدارة مُنحت لغير المؤهلين؛ فكيف يترأس نقابة ومؤسسة ضخمة للأقطان شخص كان يعمل “سائقاً” في المشروع؟ السودان مليء بالكفاءات، لكن المحسوبية وضعت غير المؤهلين في مناصب حساسة، مما أدى لتوقف تصنيع السماد وظهور السرقات.

بالحديث عن القوانين.. هل أنصف قانون 2005 المزارع أم أضره؟
​قانون 2005 منح المزارع “حرية” لكنها اصطدمت بجهل كبير. الحرية في الزراعة يجب أن تكون مسؤولة. الآن، مع تفتت الملكية بسبب (الورثة)، تجد في القطعة الواحدة عدة شركاء، كلٌ يزرع بمزاجه بعيداً عن “الدورة الزراعية” الموحدة. هذا فوضى. نحتاج لحسم؛ الدورة التي تخرج من المكتب يجب أن تُحترم، ومن يخالفها يجب أن يُواجه بقانون رادع، حتى لو وصل الأمر لحرق المحصول المخالف لتوحيد الدورة (قطن يعني قطن).

كيف تصفون دور الإدارات المتعاقبة والموقف الحكومي الحالي؟
​نشكر المحافظ الأسبق “سمساعة”؛ فقد كان رجلاً عملياً وضع قوانين ونظم العمل. أما الآن، في ظل الحرب، سادت الفوضى. المشروع لن يعود إلا بتضافر الجهود؛ الكباري والترع تحتاج لعمل جبار. الحكومة الآن تتجاهل المزارع؛ فإذا زرعنا 500 ألف فدان قمح، يفترض أن تدعمنا الدولة لا أن تتفرج علينا. نحن نحتاج لتصنيع السماد محلياً بدلاً من استيراده من مصر، ونحتاج لإعادة مصانع الزيوت والصابون التي كانت ملحقة بالمحالج وقام التجار بكسرها.