سرديات..
الزاكي عبد الحميد أحمد يكتب ..
“المدفع المنفلت.”
*Loose Cannon*
هذه العبارة كانت بعبعا يخيف رجال البحرية الملكية البريطانية في القرنين السايع عشر والثامن عشر..
ففي تلك الفترة كانت المدافع تثبت على أسطح السفن الحربية بحبال غليظة..واذا هاج البحر وارتفعت الأمواج وقطعت حبلا من هذه الحبال، صاح البحارة بصوت واحد:
*انفلت المدفع..*
وانفلات المدفع يعني انه من المحال السيطرة عليه أثناء تدحرجه من السطح مدمرا كل ما اعترض طريقه من بشر أو أسلحة أو ذخائر وما يعقب ذلك من انفجارات تورث أشلاء آدمية تتناثر هنا وهناك، ودماءً تسيل حتى الركب!..
وبمرور الزمن أصبح للعبارة معنىً مجازي يقصدون به الشخص المتهور الذي لا يمكن التنبؤ بما هو مقبل عليه..
والمدفع المنفلت كان من الأوصاف التي أطلقها الخصوم على ونستون تشرشل؛ لأنه في نظرهم (رجل متهور وطائش..ولا يمكن التنبؤ بما هو مقبل عليه!)..
ولكنه وصف بعد ذلك بالرجل الذي:
*سخّر اللغة الانجليزية وحشدها في ميدان المعركة..فكان وقع كلماته على الآذان أقوى من لعلعة المدافع*..
*He Mobilized The English Language And Sent It Into The Battle..His Words Were More Devastating Than Artillery And Far More Enduring..*
هكذا قالت الصحف البريطانية عن زعيمها الجديد؛ بعد ان كانت تصفه بالعجوز السكير الذي لا خير يرجى منه في هذا الزمن العصيب..
أمسكت بالريموت وبدأت أبحث عن فيلم في منصة نتفليكس Netflix ترويضا للقلق حين داهمني بلا استئذان..أفلام عديدة، قديمة وحديثة، تختفي مسرعة عن ناظري؛ والريموت يلهث وراء المزيد.. أوقفته حين تراءى وبدا لي أنه قد يكون الضالة المنشودة.. ..فيلم تاريخي راق لي..
*أحلك ساعة*..
نص تعريفي بسطرين يقول (الفيلم يستعرض الاحداث التي لازمت بريطانيا في أحلك ظروفها)..ثم أحذية ثقيلة تدك الأرض دكا على وقع مقاطع من السيمفونية التاسعة لبتهوفن..
قلت لنفسي هو ما أريد..
تلاشى القلق تدريجيا..
الافلام التاريخية تريحني..
*أحلك ساعة..*
*The Darkest Hour*
الفترة الممتدة من مايو إلى يونيو ١٩٤٠ كانت احلك ظرف تمر به بريطانيا العظمى كما يقول التاريخ الحديث..
ساعتان كاملتان قضيتهما مشدوها على شاشة التلفزيون وانا اتابع الفيلم المذهل..
بطل الفيلم غاري اولدمان حصد جائزة اوسكار عام ٢٠١٨ لاجادته دور تشرشل في هذا الفيلم..
الافلام التاريخية تثير اهتمامي؛ حين يلعب دور البطولة فيها؛ ممثلون يجيدون الدور..*غاري اولدمان* Gary Oldman أجاد دور تشرشل بشكل مذهل..
لقطات عجلى من الفيلم، تصاحيها من الخلفية، السيمفونية التاسعة لبتهوفن-وتحديدا الجزء الرابع منها والمعروف بنشيد الفرح Ode of Joy والمقصود بالفرح هنا -كما فسره النازيون- فرحتهم بتفوق الجنس الآري على الأعراق الأخرى..في لقطات عجلى، استعرض الفيلم المشاهد التي كانت تسود شوارع اوروبا-بريطانيا تحديدا- ما قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية بأسابيع..بريطانيا لم تكن مستعدة لخوض حرب أخرى في خلال عقدين..قواتها منهكة؛ طيرانها متهالك والروح المعنوية لدى العامة هابطة..
في الأثناء رئيس الوزراء نيفل تشامبرلين Nivelle Chamberlain يطير الى ميونيخ للقاء هتلر..يعود فرحا بعد ان وقع معه اتفاقية عرفت باتفاقية ميونيخ يسمح بموجبها لهتلر بضم منطقة سوديت الحدودية مع تشيكوسلوفاكيا خلال الفترة من الاول وحتى العاشر من اكتوبر ١٩٣٨ ويوقف هتلر هجومه على اوروبا..
*جئتكم بالسلام فهنيئا لنا به!*
هكذا هتف من على سلم الطائرة..
*في 30 سبتمبر 1938 هبطت طائرة رئيس الوزراء تشامبرلين في مطار هستون Heston Airport* بلندن.
ينزل من سلم الطائرة فرحا، وهو يلوح بورقة الاتفاقية التي أبرمها مع هتلر..يحاصره رجال الصحافة وكميراتهم تشرئب فوق الأذرع المتشابكة فيقول لهم :
My good friends, this is the second time in our history that there has come back from Germany to Downing Street peace with honour. I believe it is peace for our time …
أيها الأصدقاء الأعزاء، هذه هي المرة الثانية التي يعود فيها السلام بشرف في تاريخنا؛ من ألمانيا إلى داونينغ ستريت…وأعتقد أنه سلام حري بزماننا الاحتفاء به..
نجح تشامبرلين في التوصل الى اتفاق التهدئة Appeasement مع هتلر والذي بموجبه ضم هتلر الجزء الناطق بالالمانية من تشيكوسلوفاكيا في مقابل وعد بالتهدئة وعدم اجتياح بلدان اروبية أخرى..
بريطانيا تتنفس الصعداء…
ولكن لم يهدأ لها بال لما عرفته من مكر هتلر ودهائه وعدم التزامه بما يعد..وهكذا كانت أعصاب بريطانيا مشدودة في اعقاب اتفاق التهدئة مع هتلر..
وصدق حدسها!
فقبل ان يجف الحبر الذي كتب به الاتفاق، ها هو هتلر ينقض الاتفاق الذي وقعه مع شامبرلين، بحضور حليفه موسيليني وآخرين..
تشامبرلين يستقيل..
الملك جورج السادس يعين بدلا منه ونستون تشرشل لرئاسة الحكومة..الشعب البريطاني يتهكم من عجوز في منتصف عقده السادس؛ جيء به ليقود البلاد في زمن حرب ضروس..
طبول الحرب صوتها يعلو..
هتلر يجتاح فرنسا..
بعد سقوط فرنسا على يد قوات هتلر فرائص بريطانيا ترتعد بشدة..
فبريطانيا هي الهدف الثاني لهتلر لا محالة..
بريطانيا لوحدها في مواجهة القوة الألمانية الكاسحة..لا امريكا في صفها ولا الروس..وحدها عليها ان تواجه تهديدات هتلر باجتياح الشواطيء البريطانية وانزال آلاف المظليين مع غطاء جوي مدمر في عملية عسكرية أطلق عليها اسم عملية أسد البحر Operation Sea Lion..
تشرشل في أول خطاب له مع اندلاع الحرب يغضب الشارع البريطاني بكلمات محبطات:
I have nothing to offer but blood, toil, tears and sweat..
“ليس لي ما اعدكم به سوى الدماء والعناء والدموع والعرق..”
كلمات حارقات ولكنها بثت الروح المعنوية في جنود كادوا ينهارون؛ فانتفضوا تتلبسهم روح قتالية لا تلبن..روح قتالية جعلت الشارع ايضا يتجاوب معها مدفوعا بكلمات الزعيم العجوز…امريكا وروسيا تتحركان للدخول في الحرب..
الحلفاء ينتصرون..وهتلر ينتحر من مرارة الهزيمة..
الصحف البريطانية قالت لولا قدرة تسرشل، وبراعته في الخطابة واجادته لفن الالقاء، لما انتصرنا، فوصفوه بملك فن الخطابة والالقاء:
“The Master of the Art of Rhetoric and Oration..”
ومن الاقتباسات التي لا تزال ترددها الصحافة البريطانية عند الضرورة قوله:
*..we shall fight on the beaches, we shall fight on the landing grounds, we shall fight in the fields and in the streets, we shall fight in the hills..*
*سنقاتل على الشواطئ، وسنقاتل في ميادين الهبوط، وسنقاتل في الحقول وفي الشوارع، وسنقاتل في التلال..*
انتصرت بريطانيا بكلمات تشرشل التي ألهبت الشعور الوطني وعززت من روح الدفاع عن الوطن..
تشرشل-كما نعلم- كان أديبا يحرص بشدة على سلامة اللغة الانجليزية وقطع الطريق أمام العبارات الوافدة من الخارج والتي في نظره تلوث الانجليزية..وحين لاحظ أن رجال الأمن في بريطانيا يستخدمون في رسائلهم عبارة:
*Top Secret*
*اي سري للغاية*..
طالبهم بعدم استخدامها لأنها وافدة للانجليزية من أمريكا وهي على حد زعمه لا تستقيم عقلا بدليل أن:
If secrecy were to be measured by altitude bottom secret would have been more forceful and suggestive..
أي لو كانت السرية تقاس بمعايير العلو والانخفاض، لكانت عبارة bottom secret اوقع أثرا وسليمة منطقية بدليل أن الشيء لو تركته في قاع بئر مثلا يكون بعيدا عن اعين الناس مقارنة مع الشيء الموضوع على رأس البئر، فيكون عرضة للعيان…
طالب تشرشل رجاله، بأن يستبدلوا عبارة Most Secret بعبارة Top Secret..
لكن كانت عبارة Top Secret قد رسخت في الأذهان واصبح من المستحيل قلعها من قاموس العامة.. فتركت كخطأ شائع!
فن الخطابة وفن الالقاء موهبتان قلما تتوفران في شخص واحد..
فقد تجد شاعرا ملما بكل ادوات الشعر الرصين، وله من الشعر ما تحنى له الهامات..ولكن حين يلقي شعرَه، نجد كلماتَه جامدة لا حياة فيها ولا تترك أثرا في أذن المتلقي..
تشرشل كان ملما بالموهبتين: الخطابة والالقاء..
وكذلك كانت المرأة الحديدية-ثاتشر-ومن أشهر أقوالها تلك العبارة التي قالتها في مؤتمر حزب المحافظين عام ١٩٨٠:
*السيدة لن تتراجع*..
*The Lady Is Not For Turning..*
والعبارة مقتبسة من مسرحية غزت سوق الأدب البريطاني بعنوان:
*The Lady Is Not For Burning..*
أي *السيدة ليست للحرق* ..وتدور أحداث المسرحية عن سيدة اتهمت بممارسة السحر والذي كان عقابه في ذلك الزمان، في بريطانيا، الحرق: أي ترمى المرأة المتهمة بالسحر في نار تتلظى حتى تموت..اكتشف في نهاية الامر ان السيدة بريئة من التهمة التي طالتها فيفرج عنها..
اما العبارة التي حورتها ثاتشر من المسرحية فكانت تعني ان *السيدة (تعني نفسها) لن تتراجع*:
*The Lady Is Not For Turning*
فكان المقصود منها أن السيدة (ثاتشر) غير مستعدة للتراجع عن سياساتها الاقتصادية رغم الهجوم الشرس الذي كانت المعارضة تشنه على حكومتها..نجحت ثاتشر في سياستها التصحيحية فاشادت بها الصحف.. وهي السياسة التي عرفت لاحقا لدى علماء الاقتصاد بالثاتشرية Thatcherism..
ذات عام اشتريت كتاب *نهج البلاغة* للشريف الرضي في معرض مسقط للكتاب..وحين رآه صديق في يدي عاتبني بل لامني على شراء كتاب للشيعة لا خير فيه سوى افساد ما يقول به أهل السنة….فضحكت..فتركي للكتاب نزولا عند رغبته يعني أن نزيل من أرفف المكتبة العربية مئات المؤلفات القيمة من تراثنا العربي، لان مؤلفيها شيعيون..هذا كلام أعوج ولا نفع فيه اطلاقا..
كتاب نهج البلاغة يضم الخطب التي القاها الامام علي بن ايي طالب..جمعها الشريف الرضي ووضعها بين دفتي كتاب خرج للاسواق بعنوان نهج البلاغة..وهو مرجع قيم لاهل البلاغة وحجة في كلام العرب.
بعض الخطب المضمنة في الكتاب سياسية خاطب بها الامام الأمة بلغة تعد رحيق البلاغة العربية..منها ما هاجم به بني أمية لاستئثارهم بالمال والمناصب في زمن سيدنا عثمان بن عفان..
قال في خطبة تعرف بالخطبة الشقشقية (والشقشقة حالة هيجان تصيب البعير فبصدر صوتا كهدير الرعد) :
*لو وليت بني أمية لأنفضنهم نفض القصاب الوذام التربة..*
والامام كرم الله وجهه، يقصد أنه لوآلت اليه الأمور لحارب فساد بني أمية بنفضهم نفضا اشبه ما يكون بنفض *القصاب* (الجزار) *الوذام* (كرش الذبيحة) *التربة* اي تلك التي وقعت على الأرض وعلق بها التراب..
ابو الزفت!
وتداعيات تلك الخطبة الشقشقية انداحت عبر الزمن وتبلورت على لسان الحجاج بن يوسف حين ولي الكوفة:
إني أرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها..
I see heads that have ripened and their harvest time has come and I am the one to harvest them..
أذكر ان شيخنا الذي يعلمنا الترجمة؛ وهو مستشرق بريطاني؛ قال حين عرضت عليه هذه الترجمة ذات مرة، وكان حديثنا يدور حول الحجاج:
The Arabs have been known to be bloodthirst since early times..
أفحمني الرجل بقوله فهجر المنطق العيون والورق..فاكتفيت بالصمت، وهو كما تعلمون، يكون كما العلقم، مر المذاق..كان ذلك يوم زجَّ بالطيار الأردني، معاذ الكساسابي، في قفص حديدي، محكم الاغلاق، تتلظى فيه نار وقودها بشرا كان!
