خطاب واشنطن يمزق أقنعة المتورطين في إرهاب الكيماوي
نفيسة حجر تكتب ..
لم تعد جريمة استخدام الأسلحة الكيميائية في السودان مجرد ادعاءات يتم تداولها في أروقة المنظمات، بل تحولت بفضل الأدلة التقنية القاطعة التي أشارت اليها الولايات المتحدة في خطابها أمام الدورة الثانية عشرة بعد المائة للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، إلى حقيقة دامغة تضع سلطة بورتسودان في قفص الاتهام الدولي.
إن هذا الانتقال من الضغط السياسي التقليدي إلى تصنيف السلطة كـ “تهديد أمني دولي” يعكس خطورة الجرم المرتكب، ويكشف في الوقت ذاته عن شراكات إقليمية مريبة تتجاوز حدود الدعم السياسي لتصل إلى التواطؤ اللوجستي في الانتهاكات الجسيمة.
إن رفض واشنطن القاطع لتقرير “اللجنة الوطنية” السودانية واعتباره مجرد أداة سياسية للتغطية على جريمة حرب، يُسقط عن هذه السلطة آخر أوراق التوت فالمجتمع الدولي لم يعد يرى في هذه اللجان سوى محاولات بائسة لعرقلة العدالة.
إن المطالبة الأمريكية بإعلان شامل عن كافة المرافق والأسلحة الكيميائية هو تصعيدٌ قانونيٌّ خطير، يعني أن واشنطن تدرك أننا أمام “تحالف إرهاب كيميائي” يمتلك قدرات غير معلنة ويستمر في التستر عليها، متحدياً بذلك اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
إن استمرار هذه السلطة في عضوية المجلس التنفيذي للمنظمة يمثل انتهاكاً جسيماً لمعايير الامتثال الدولية، ويضع صدقية المنظمة أمام اختبار وجودي.
فبقاء نظامٍ متورطٍ في استخدام أسلحة كيميائية ضمن الهيئة القيادية لمنظمة حظر الاسلحة، يُعد إجهاضاً لغايات الاتفاقية، ويُحتم على المجتمع الدولي تعليق عضويتها فوراً وإحالة ملفها إلى مجلس الأمن، لضمان اتساق آليات المساءلة مع الحقائق المثبتة.
إن المسؤولية عن هذه الانتهاكات لا تقف عند حدود السلطة المنفذة في بورتسودان، بل تتعداها لتشمل شركاءها الإقليميين الذين اختاروا الانحياز الكامل لهذا المسار.
فمصر، وبحكم تحالفها الاستراتيجي مع الجيش السوداني، جعلت من أراضيها ومجالاتها الجوية قواعد انطلاق للمسيرات والطيران الحربي المحمل بالمواد الكيميائية المحظورة، انطلاقاً من رؤيتها لمصالحها الخاصة.
هذا الدور ليس مجرد تسهيل لوجستي، بل هو مشاركة إرادية واعية في تمكين هذه الآلة العسكرية من استباحة المدنيين، مما يجعل من هذا التحالف شريكاً مباشراً في الانتهاك، ويضع الأطراف المشاركة وفي مقدمتها تركيا كشريك استراتيجي في هذا الغطاء السياسي واللوجستي تحت طائلة القانون الدولي الذي يُجرّم توفير المنصات والدعم لأطراف ترتكب جرائم حرب.
إن التهديدات التي لوح بها مسعد بولس في مجلس الأمن لم تكن سوى تهيئة لمسرح الأحداث، حيث أصبحت سلطة بورتسودان اليوم مجرد “متهم” ينتظر العقاب، بعد أن انكشفت مظلة الإفلات من العقاب التي ظنوا طويلاً أنهم يختبئون خلفها.
إن الوقائع الموثقة لجرائم استخدام الأسلحة الكيميائية في الخرطوم ودارفور تُحتم على المنظومة الدولية، بكافة فاعليها الرسميين والمدنيين، تحمل مسؤولياتهم القانونية في ملاحقة هذا الانتهاك الجسيم.
إن المسؤولية عن هذه الجرائم لا تتجزأ، بل تمتد لتشمل سلطة بورتسودان بصفتها الفاعل المباشر، وكل الأطراف المحلية والإقليمية التي ساهمت في التغطية أو التخطيط أو التنفيذ.
إن مسار العدالة الدولية لن يتوقف عند حدود المنفذين، بل سيمتد ليطال كافة الأطراف المتواطئة فجرائم الحرب لا تسقط بالتقادم، ولن تعفي الإجراءات الشكلية أحداً من وزر المشاركة في إزهاق أرواح المدنيين.
