
رحيل عبد الوهاب الصادق.. كيف صمت صوت «ست الريد بقت قساية» بعد عقود من صناعة وجدان السودانيين؟
الخرطوم، الغد السوداني – حين يرحل الفنانون الكبار لا يغيب الصوت وحده، بل ترحل معه أجزاء من ذاكرة الناس. وبرحيل الفنان عبد الوهاب الصادق، يطوي السودان صفحة مضيئة من صفحات الغناء الشعبي، بعدما فقدت الساحة الفنية واحداً من أبرز الأصوات التي صنعت وجدان أجيال كاملة، وارتبطت أغنياتها بالأفراح والذكريات والحكايات اليومية للسودانيين.
غادر عبد الوهاب الصادق الحياة تاركاً خلفه إرثاً غنائياً ضخماً، ومسيرة امتدت لعقود جعلته واحداً من أكثر الأصوات تأثيراً في تاريخ الأغنية الشعبية السودانية، حتى بات اسمه مقترناً مباشرة بأغنيته الأشهر «ست الريد بقت قساية»، التي تجاوزت حدود كونها أغنية ناجحة لتتحول إلى علامة ثقافية راسخة في الذاكرة الوطنية.
ولد الراحل في منطقة أبو قوتة بولاية الجزيرة، قبل أن ينتقل إلى حي بانت العريق بمدينة أم درمان، وهناك بدأت ملامح مشروعه الفني تتشكل مبكراً. كان لا يزال في الخامسة عشرة من عمره عندما بدأ يلفت الانتباه بصوته المختلف وحضوره اللافت، ليشق طريقه تدريجياً وسط بيئة فنية مزدحمة بالأسماء الكبيرة.
لكن عبد الوهاب الصادق لم يكن مجرد مطرب شعبي ناجح، بل كان صاحب مشروع تجديدي داخل المدرسة الشعبية نفسها. فقد يُنظر إليه بوصفه واحداً من أوائل الفنانين الذين أدخلوا آلة البيز جيتار والمندولين إلى فرق الغناء الشعبي، في خطوة أعادت تشكيل الصوت الموسيقي لهذا اللون الغنائي ومنحته أبعاداً أكثر حداثة وانتشاراً.
خلال سبعينيات القرن الماضي، أصبح عبد الوهاب الصادق واحداً من أبرز نجوم الشباك الجماهيري، وارتبط اسمه بالحفلات الجماهيرية الكبرى، بينما كانت أغنياته تنتشر بسرعة استثنائية في المدن والأقاليم، لتصبح جزءاً من الحياة اليومية للسودانيين.
وعلى امتداد رحلته الفنية، تعامل الراحل مع أسماء كبيرة في عالم الشعر والغناء، ونسج شراكات إبداعية مع شعراء تركوا بصمتهم على الأغنية السودانية، ليقدم عبر تلك التجارب عشرات الأعمال التي ظلت حاضرة رغم تغير الأجيال.
ولم تتوقف شهرته عند «ست الريد بقت قساية»، إذ ترك أعمالاً أخرى رسخت مكانته، بينها: «من بعد ما فات الأوان»، «ما أحلى التصافي»، «فريع البانة»، «الجرح جرحي براي»، «حبايبي الحلوين»، «نسوني تاني ما جوني»، و«غلاوة الريد»، وهي أعمال صنعت جزءاً مهماً من الذاكرة الغنائية السودانية.
تميز عبد الوهاب الصادق بصوت وصفه محبوه بـ«المغرّد»، إذ جمع بين العذوبة والقوة، وبين البساطة والقدرة على الوصول المباشر إلى وجدان المستمع، وهي خصائص جعلت أغنياته قابلة للبقاء رغم مرور السنوات.
ومع إعلان رحيله، تدفقت بيانات النعي من المؤسسات الفنية والرسمية، حيث نعته الأوساط الموسيقية والثقافية باعتباره أحد أعمدة مدرسة الغناء الشعبي، بينما استعاد جمهوره عبر منصات التواصل أغنياته الأكثر شهرة، وكأن السودانيين كانوا يودعون جزءاً من ذاكرتهم الشخصية.
وربما تكمن فرادة عبد الوهاب الصادق في أنه لم يكن مجرد فنان ناجح، بل حالة فنية كاملة. فالكثير من الفنانين أعادوا تقديم أعماله، والكثير من الأجيال تربت على أغنياته، والكثير من المناسبات السودانية احتفظت بصوته جزءاً من طقوسها.
برحيل عبد الوهاب الصادق، يخسر السودان صوتاً ظل لعقود طويلة يرافق تفاصيل الحياة اليومية، لكن ما يتركه خلفه يبدو أكبر من الغياب نفسه؛ يترك ألحاناً ما زالت حاضرة، وكلمات ما زالت تتردد، وإرثاً يصعب أن يغادر الذاكرة.
رحل صاحب «ست الريد بقت قساية»… لكن الأغنية التي صنعت مجده، مثل كثير من أعماله، تبدو وكأنها ترفض الرحيل.
