الدلنج تحت الحصار.. الجوع والدواء المفقود يدفعان آلاف السودانيين إلى حافة الكارثة

الدلنج، أفراح حسن – تتفاقم الأوضاع الإنسانية في مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان بصورة متسارعة، مع استمرار إغلاق الطريق الرابط بينها ومدينة الأبيض، ما أدى إلى عزل المدينة عن الإمدادات التجارية والطبية، ودفع آلاف الأسر إلى الاعتماد على المساعدات الإنسانية المحدودة والتحويلات المالية من الخارج لمواجهة الجوع والمرض.

ويقول سكان محليون إن الأسواق باتت شبه خالية من كثير من السلع الأساسية، بينما تواجه المستشفيات والصيدليات نقصاً حاداً في الأدوية والمستلزمات الطبية، في وقت تتصاعد فيه الهجمات العسكرية حول المدينة، ما يزيد من تعقيد المشهد الإنساني.

وتعد الدلنج ثاني أكبر مدن ولاية جنوب كردفان من حيث عدد السكان، كما تستضيف آلاف النازحين الفارين من مناطق القتال، الأمر الذي ضاعف الضغط على الخدمات والمواد الغذائية المحدودة أصلاً.

الأمم المتحدة: المساعدات لم تعد تصل

وقالت منسقة الأمم المتحدة في السودان دينيز براون إن الوضع في مدينة الدلنج “بات مقلقاً للغاية”، مشيرة إلى أن المدينة تتعرض لـ”هجمات يومية”، بينما لم تعد قوافل المساعدات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة قادرة على الوصول إليها.

وتتزامن هذه التحذيرات مع تقارير أصدرتها منظمات دولية غير حكومية، أكدت أن ملايين السودانيين، خصوصاً في جنوب كردفان وشمال دارفور، أصبحوا يعيشون على وجبة واحدة فقط يومياً، مع اتساع رقعة الجوع وتراجع القدرة الشرائية للأسر.

وقال تقرير مشترك صادر عن منظمات “العمل ضد الجوع” و”كير الدولية” و”لجنة الإنقاذ الدولية” و”ميرسي كور” و”المجلس النرويجي للاجئين”، إن العائلات في المناطق الأكثر تضرراً من الحرب “لم تعد قادرة على تأمين الحد الأدنى من الغذاء”.

“الناس بلا أعمال”.. التحويلات الخارجية شريان الحياة الوحيد

وفي الأحياء السكنية داخل الدلنج، تبدو الأزمة أكثر وضوحاً على حياة السكان اليومية.

تقول وجيدة علي محمد، وهي من سكان حي “أقوز”، في حديثها لـ”الغد السوداني”، إن غالبية السكان فقدوا مصادر دخلهم بعد توقف الأعمال اليومية وانهيار الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالحركة التجارية بين المدن.

وأضافت: “الرواتب لم تعد تكفي لشراء الاحتياجات الأساسية، والأسعار ترتفع بصورة يومية، بينما آلاف الأسر لا تجد أي مصدر ثابت للدخل”.

وأوضحت أن كثيراً من العائلات تعتمد حالياً على الأموال التي يرسلها أقاربهم من دول الخليج وأوروبا، أو من السودانيين المقيمين في مدن أكثر استقراراً داخل البلاد.

لكن حتى هذه التحويلات، بحسب حديثها، لم تعد تصل كاملة إلى الأسر المحتاجة.

وقالت وجيدة إن عدداً من التجار وأصحاب الخدمات المالية “يقتطعون ما يصل إلى 30 في المئة من قيمة التحويلات المالية عند السحب عبر التطبيقات البنكية مثل بنكك”، معتبرة أن ذلك “يزيد من معاناة المواطنين ويقلل من قيمة المبالغ التي تعتمد عليها الأسر للبقاء”.

تفاوت الأسعار ونقص السيولة

من جهته، قال المواطن قاسم أحمد كوكو، من سكان “الحلة الجديدة”، إن أسعار السلع الاستهلاكية تختلف بحسب وسيلة الدفع، موضحاً أن أصحاب السيولة النقدية يحصلون على أسعار أقل مقارنة بمن يستخدمون التحويلات البنكية.

وأضاف كوكو لـ”الغد السوداني”: “هناك تمييز واضح في الأسواق بين من يدفع كاش ومن يعتمد على التطبيقات البنكية، بسبب أزمة السيولة التي تضرب المدينة”.

وأشار إلى أن إغلاق الطريق المؤدي إلى مدينة الأبيض تسبب في شح كبير للسلع الغذائية، موضحاً أن البضائع القادمة من جنوب السودان عبر مناطق سيطرة الحركة الشعبية “لا تكفي حاجة السكان والنازحين”.

ويقول سكان إن أسعار الدقيق والزيوت والسكر ارتفعت إلى مستويات غير مسبوقة خلال الأسابيع الأخيرة، في وقت تعجز فيه الأسر عن توفير احتياجاتها الأساسية.

انهيار القطاع الصحي

ولا تبدو الأزمة مقتصرة على الغذاء فقط، إذ تواجه المدينة أيضاً تدهوراً واسعاً في القطاع الصحي.

وأوضح كوكو أن عدداً كبيراً من الكوادر الطبية غادر المدينة خلال الأشهر الماضية بسبب القصف وتدهور الأوضاع الأمنية، فيما خرج مستشفى الدلنج ومستشفى السلاح الطبي عن الخدمة نتيجة الهجمات المدفعية والجوية.

وأضاف أن المرضى يواجهون صعوبة كبيرة في الحصول على العلاج، مع ندرة الأدوية وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية، في ظل غياب السيولة النقدية لدى غالبية السكان.

ويخشى سكان من تفاقم الأوضاع الصحية مع انتشار الأمراض المرتبطة بسوء التغذية وضعف خدمات المياه والرعاية الطبية.

حصار يتجدد

وكان الجيش السوداني قد تمكن في يناير الماضي من فك الحصار عن المدينة وفتح الطرق والمسارات لفترة تجاوزت شهراً، ما سمح حينها بعودة جزئية للبضائع والخدمات.

غير أن تصاعد الهجمات التي تنفذها قوات قوات الدعم السريع وحليفتها الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال أعاد الأزمة إلى نقطة الصفر، مع إغلاق الطرق مجدداً وتوقف حركة الإمدادات.

ومع استمرار القتال، يخشى سكان الدلنج من تحول الأزمة الإنسانية إلى كارثة مفتوحة، خصوصاً في ظل محدودية الاستجابة الدولية وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية إلى المدينة المحاصرة.