من “حسنة بنت محمود” إلى “بنت مجذوب”.. كيف هزت نساء الطيب صالح سلطة القرية؟

المحرر الثقافي، محمد إسماعيل – في زمن تتراجع فيه القراءات النقدية العميقة للرواية السودانية، يعود اسم الأديب السوداني الطيب صالح إلى الواجهة عبر كتاب جديد يحاول تفكيك عالمه السردي من زاوية مختلفة: القوة والضعف داخل شخصياته، لا سيما النساء اللواتي قدّمهن بوصفهن طاقة تغيير كامنة داخل مجتمع القرية السودانية.

ضمن فعاليات “أسبوع التسامح” بمركز التسامح في الدقي، جرى تدشين كتاب «تحولات القوة والضعف في شخوص الطيب صالح السردية» للدكتور عايد عبد الحفيظ، في فعالية جمعت بين معرض كتاب ومعرض تشكيلي ونقاشات ثقافية حول إرث صاحب موسم الهجرة إلى الشمال.

الكتاب لا يقترب من أعمال الطيب صالح باعتبارها نصوصاً أدبية فقط، بل بوصفها خرائط نفسية واجتماعية تكشف صراع الإنسان السوداني بين الثبات والتحول، وبين سلطة الموروث وإغراء التغيير.

يرى المؤلف أن شخصيات الطيب صالح ليست مجرد أدوات لتحريك السرد، بل “كائنات حيّة” تحمل تاريخاً داخلياً وصراعات نفسية معقدة، وهو ما يظهر بوضوح في أعمال مثل عرس الزين ومريود وضو البيت، حيث تتكرر الشخصيات وتتطور عبر الزمن داخل ما يشبه “الرواية الكبرى” لعالم ود حامد.

المرأة.. ليست هامشاً في عالم الطيب صالح

أكثر ما يلفت في قراءة الدكتور عايد عبد الحفيظ هو تركيزه على صورة المرأة في أعمال الطيب صالح، إذ يذهب إلى أن الكاتب السوداني قدّم نساءه بصورة مغايرة للنمط التقليدي في الأدب العربي.

فالمرأة في عالمه ــ بحسب المؤلف ــ ليست مجرد رمز للحب أو الحنين، بل شخصية تمتلك إرادة وقدرة على اتخاذ القرار، حتى في بيئة قروية محافظة تندر فيها فرص التعليم.

وتبرز شخصية “حسنة بنت محمود” بوصفها النموذج الأكثر تعقيداً وتحولاً. فهي ليست ضحية مكتملة ولا بطلة مثالية، بل امرأة تتحرك بين الحب والصمت والتمرّد، وصولاً إلى فعلها الصادم بقتل “ود الريس” ثم الانتحار، في واحدة من أكثر اللحظات الدرامية قسوة في أدب الطيب صالح.

ويقرأ المؤلف هذا المشهد بوصفه “انتزاعاً للمصير”، إذ خرجت حسنة من موقع المرأة الخاضعة إلى موقع الفاعل الذي يفرض قراره حتى ولو كان مأساوياً.

أما “بنت مجذوب”، تلك الشخصية الخارجة عن أعراف القرية، فتظهر كصوت نسوي متمرّد يربك السلطة الأخلاقية التقليدية. امرأة تدخن وتشرب وتحلف بالطلاق، لكنها في الوقت نفسه تمتلك وعياً مختلفاً تجاه العدالة، حتى إنها اعتبرت ما فعلته حسنة “قصاصاً مشروعاً” لا جريمة.

ود حامد.. القرية التي تشبه السودان

لا يتعامل الكتاب مع “ود حامد” باعتبارها مجرد قرية روائية، بل كرمز مكثف للهوية السودانية وتحولاتها.

فالقرية عند الطيب صالح تتحول إلى مساحة للصراع بين القديم والجديد، بين سلطة الآباء ورغبة الأبناء في التغيير.

ويظهر هذا الصراع عبر شخصيات مثل “محجوب” الذي يمثل سلطة التقليد، و”الطريفي” بوصفه رمزاً للتحولات الاجتماعية الجديدة.

ويشير الكتاب إلى أن الطيب صالح لم يكن معنياً بتقديم إجابات نهائية حول ما إذا كان التغيير خيراً أم شراً، بل كان يطرح الأسئلة ويترك شخصياته تتخبط داخل القلق والحيرة، وهو ما منح رواياته بعداً إنسانياً يتجاوز الحدود المحلية.

اللغة بوصفها بطلاً خفياً

يتوقف الكتاب مطولاً عند لغة الطيب صالح، التي مزجت بين الفصحى والعامية السودانية في تركيب سردي شديد الخصوصية.

فاللغة هنا ليست مجرد وسيلة للحكي، بل جزء من بناء الشخصيات نفسها. إذ تتحول المفردات الشعبية والأمثال والإيقاع المحلي إلى أدوات تكشف البنية النفسية والاجتماعية للعالم الروائي.

ويرى المؤلف أن هذا الثراء اللغوي هو ما جعل الطيب صالح من القلة الذين تجاوزوا حدود الرواية العربية إلى أفق عالمي، بفضل قدرته على تحويل البيئة المحلية إلى تجربة إنسانية كونية.

تحولات الصعود والسقوط

في فصل آخر، يتتبع الكتاب مسارات شخصيات انتقلت من الهامش إلى القوة أو العكس، مؤكداً أن التحولات عند الطيب صالح ليست خطية أو بسيطة، بل مليئة بالتناقضات.

فـ”حمد ود حليمة” يتجاوز ضعفه ليبلغ ذروة القوة، بينما يفقد “محجوب” سلطته تدريجياً أمام موجة التغيير.

هذه التحولات لا تعكس مصائر فردية فقط، بل تكشف ــ بحسب المؤلف ــ رؤية الطيب صالح للمجتمع باعتباره نسيجاً يعيد تشكيل أفراده باستمرار.

قراءة من موقع “المحب”

في خاتمة الكتاب، يقرّ الدكتور عايد عبد الحفيظ بأنه لا يكتب من موقع “الناقد المتعالي”، بل من موقع القارئ المفتون بعالم الطيب صالح منذ أكثر من خمسين عاماً.

وربما تكمن قوة هذا العمل في تلك العلاقة الحميمة مع النصوص، إذ لا يقدّم قراءة أكاديمية جافة بقدر ما يفتح باباً جديداً للتأمل في عالم سردي ظل لعقود أحد أهم المرايا التي قرأ بها السودانيون أنفسهم وتحولاتهم العميقة.