من سرق هيبة الجيش؟

الممشى العريض

خالد أبو شيبة يكتب ..

في عام 2009م حين كنت سكرتيراً لصحيفة “حبيب البلد” كنت أحرص أن أكون أول من يحضر إلى مبانيها شرق سينما كولوزيوم. لا انسى أبداً ذلك اليوم الذي حضرت فيه عند السابعة تماماً فوجدت ضابطاً برتبة ملازم يقف بانتظاري. تقدمت نحوه وحيّيته باحترام فسألني “هل أنت خالد أبوشيبة، سكرتير التحرير؟” أجبته: نعم. ناولني خطاباً رسمياً موجهاً باسمي, شكرني ومضى.
فتحت الخطاب فإذا به إعلان صادر عن القوات المسلحة طلبٌ للنشر. لحظتها أدركت حجم المسؤولية لم يكن أمراً عادياً أن تنشر مادة تخص الجيش تلك المؤسسة العظيمة التي كانت تحاط بهالة من الهيبة والانضباط والقدسية. لم أجرؤ على اتخاذ قرار منفرد فتواصلت مع رئيس التحرير الراحل داؤود مصطفى ونائبه عاطف الجمصي وناشر الصحيفة الأخ الصديق الرشيد علي عمر. جميعهم شددوا على ضرورة الانتظار إلى حين وصولهم لمقر الصحيفة اجتمعنا وتداولنا الأمر بجدية وقررنا بعد ذلك على أية صفحة ينشر وفي أية مساحة؛ كل ذلك لنحفظ للجيش مقامه.
هكذا كان الجيش في وعينا الجمعي ليس مجرد مؤسسة بل رمزٌ للوطن وعنوانٌ للأمان ومكان لا يُقترب منه بخفة أو شلاقة أو عبث وحتى في صحيفة القوات المسلحة نفسها كانت الكلمة تُكتب بحساب ولا يسمح بها إلا لمن يحمل مسؤولية الانتماء للمؤسسة.
أتذكر جيداً أحداث 2013م حين خرجت جموع كبيرة من ابناء الشعب في موجة غضب عارمة ضد الزيادات التي اصدرتها السلطات في أسعار المحروقات، سقط ضحايا واشتد البطش والتنكيل والتعذيب والاعتقالات لكل من عبر عن الرفض حتى حضر الجيش وفي تلك اللحظة تغيّر كل شيء تراجع القمع اختفت الأجهزة الأمنية وانطلقت الزغاريد حينها شعرت كشأن كل سوداني بالفخر رأيت الدموع تُسكب فرحاً والوجوه ترتفع اعتزازاً كان حضور الجيش آنذاك بمثابة طمأنينة وأمان والحق أننا كنا لا نخشى بطش الشرطة وقوات الأمن وكنا لا نخاف على الوطن ومستقبله حينما نتذكر أن هناك جيش عظيم أقسم على حمايتنا والبلاد ولن يتأخر.
واليوم بكل اسف لا أعرف على وجه الدقة متى وكيف انقلبت الصورة لكنني أعلم أن القلب يعتصر ألماً فهيبة الجيش ويؤسفني أن أقول ذلك ما عادت كالسابق وحدوده التي كانت مصونة أصبحت مستباحة وصار كل من هبّ ودبّ يتحدث باسمه، ينتقده ويهاجمه ويفشي ما لا ينبغي أن يُقال في وقتٍ يشتعل فيه الوطن من أطرافه.
ليست المشكلة في النقد المسؤول بل في الفوضى وفي الانفلات وفي الأصوات التي لا ترى في الوطن سوى ساحة للمصالح ولا في الجيش سوى مادة للابتزاز. دخل على المشهد من لا وزن لهم ولا قيمة فشوّهوا الصورة وخلطوا الأوراق وفتحوا أبواب الفتنة على مصاريعها.
لن يستقيم حال هذا الوطن ما لم تستعد القوات المسلحة هيبتها ولن يتأتى ذلك إلا إذا ابتعد عنها اللايفاتية المنتفعين الذين لا يجيدون إلا إشعال الفتنة والقونات صاحبات التاريخ الأسود والصحفيات والصحفيين أصحاب الاقلام المعروضة للبيع الذين لا هم لهم غير اكتناز الأموال وإن كان ذلك على أشلاء الوطن وهيبة المؤسسة العسكرية لن ينصلح الحال ما لم يبتعد الطفيلييون وتجار الأزمات وأولئك الذين يتغذون على الفوضى ويقتاتون على خراب البلاد.
هذا ليس حنيناً للماضي بقدر ما هو صرخة في وجه الحاضر. ما زلت أؤمن أن داخل هذه المؤسسة رجالاً أوفياء انقياء قادرين على إعادة الأمور إلى نصابها على طرد كل هذا القبح على إعادة الانضباط واستعادة الثقة حينها فقط يمكن أن ينهض الوطن من جديد مرفوع الرأس عزيزٱ كما كان.