
السيادة المالية.. سباق مع الزمن في ثلاث ولايات استراتيجية
الخرطوم ، الغد السوداني – أمين محمد الأمين
مع انطلاق المرحلة الثانية لاستبدال فئتي الألف والخمسمائة جنيه، نقل بنك السودان المركزي “مشرط الجراحة” النقدية إلى المربع الأكثر تعقيداً؛ ولايات الخرطوم والجزيرة والنيل الأبيض. وبعد حراك مصرفي هادئ شهدته الولايات الآمنة في المرحلة الأولى، يأتي هذا القرار اليوم ليؤكد استعادة الدولة لسيادتها المالية على المناطق المحررة، وسط ترقب واسع حول قدرة الجهاز المصرفي على استيعاب الكتلة النقدية “الهاربة” وتوفير السيولة اللازمة للمواطنين. في هذا الاستطلاع، نضع قرارات “المركزي” تحت ميزان التقييم، ونرصد آراء الخبراء والمواطنين حول “هزّة العملة” وتداعياتها المباشرة.
إرادة فاترة
يرى المهندس عبدالعزيز عبدالله أن خطوة استبدال العملة قد تأخرت كثيراً، معتبراً أن استمرار تداول عملتين لفترة زمنية طويلة يعكس نوعاً من الفتور في الإرادة الاقتصادية، ويجعل الأهداف المنشودة من هذه العملية -التي لم تكتمل فصولها بعد- صعبة المنال. ويؤكد عبدالعزيز أن التحدي الحقيقي اليوم لا يتوقف عند مجرد تغيير الورقة النقدية، بل في مدى توفر السيولة (الكاش)؛ لما لذلك من دور محوري في بث الطمأنينة في نفوس المواطنين، وضمان انسياب حركة البيع والشراء بسلاسة، فضلاً عن دورها في القضاء على الظواهر السالبة التي أفرزتها الأزمة، مثل (بيع الكاش) مقابل فائدة، وتكدس المواطنين في طوابير منهكة أمام منافذ المصارف.
صمود الجنيه
وفيما يتعلق بالجدول الزمني، يرى المهندس عبدالعزيز أن مهلة الشهر المحددة تُعد كافية لإتمام عملية الاستبدال، داعياً المواطنين إلى ضرورة استغلال الوقت والمسارعة بإيداع أموالهم من الفئات القديمة، تفادياً لحالة الفوضى والزحام التي تفرض نفسها عادةً في الأيام الأخيرة للمهلة. واختتم إفادته بالتعبير عن أمله في أن تكون العملة الجديدة (فأل خير) على البلاد، وأن تساهم في تعزيز صمود الجنيه وكبح جماح الانهيار المتسارع في قيمته.
نبض السوق
من جانبه، طرح التاجر صالح الطيب محمد نور رؤيةً مغايرة، مشدداً على ضرورة أن تسبق عمليةَ الإعلان الرسمي ضخُّ العملة الجديدة في الأسواق لضمان تداولها بشكل تدريجي وسلس؛ إذ يرى أن القواعد المصرفية تقتضي استبدال أي عملة قديمة تصل إلى البنك بالفئة الجديدة فوراً، حتى قبل الانتقال للمراحل المتقدمة من خطة الإبدال. وحذر “صالح الطيب” من أن إجراءات الاستبدال الحالية تفتح الباب أمام ظهور (تجار الأزمات) الذين يتربحون من فروقات العملتين بأساليب غير مشروعة، واصفاً هذه الظاهرة بـ “الربا” المحرم شرعاً والمرفوض مجتمعياً.
أزمة سيولة
وأبدى صالح تحفظه على المهلة الزمنية المحددة، معتبراً أن فترة الشهر غير كافية لإتمام العملية، رغم إقراره بتراجع الاعتماد على “الكاش” وتنامي دور التطبيقات المصرفية في تسهيل حركات الشراء والبيع. وفي سياق متصل، أشار الطيب إلى أن التحدي الحقيقي لا يتوقف عند عملية الاستبدال فحسب، بل يمتد إلى “أزمة السيولة” نفسها؛ في وقت تآكلت فيه مصادر دخل شريحة واسعة من المواطنين، وتفاقمت فيه مصاعب الحياة اليومية جراء القفزات المتتالية في أسعار المواد الغذائية والوقود والغاز. واختتم الطيب إفادته بمناشدة الجهات المختصة بضرورة تمديد فترة الاستبدال، لمنح الجميع فرصة عادلة وكافية لإيداع مدخراتهم وتفادي أي خسائر اقتصادية إضافية.
هواجس ميدانية
من جانبه، أعرب المواطن أحمد باراك عن مخاوفه من أن يؤدي حصر عملية استبدال العملة في ولايات محددة دون غيرها إلى نشوء (سوق سوداء) تنشط في المقايضة بين الطبعتين القديمة والجديدة؛ وهو ما قد يخلق فوارقاً في القيمة الشرائية بين المناطق، ويفتح الباب أمام المضاربات التي قد تُعجل بتدهور قيمة العملة القديمة في الولايات التي لم يشملها الاستبدال بعد. وفيما يتعلق بالواقع الميداني، أشار “أحمد باراك” إلى أن الظروف الأمنية المعقدة قد تشكل عائقاً أمام فاعلية قرار (تمديد ساعات العمل) بالمصارف؛ إذ إن العديد من الأفرع البنكية قد تضطر للإغلاق أو العمل بساعات محدودة وفقاً للظرف الأمني المحيط بها، داعياً المواطنين إلى ضرورة التثبت من جاهزية المصارف والخدمات المتاحة قبل التوجه إليها لضمان سلامتهم وإنجاز معاملاتهم.
حزمة نصائح
وحذر باراك من التداعيات المباشرة لقرار (فقدان صفة الإبراء القانوني) على التعاملات اليومية خلال مهلة الشهر؛ متوقعاً أن يبدأ التجار في رفض العملة القديمة مبكراً، مما قد يخلق أزمة في حركة البيع والشراء. وفي ختام إفادته، وجه حزمة من النصائح للمواطنين، شملت ضرورة المسارعة في استبدال المدخرات خلال الفترة المحددة، والحرص على متابعة التحديثات الرسمية الصادرة عن بنك السودان المركزي لرصد أي تغييرات طارئة، مع توخي الحذر الشديد في الحفاظ على أمن البيانات المالية، واللجوء للمصادر والجهات الرسمية فقط عند طلب الاستفسارات لضمان سلامة معاملاتهم.
رؤية تحليلية
يقرأ الكاتب الصحفي والخبير الاقتصادي أحمد خليل قرار استبدال العملة في إطار ما وصفه بـ “التخبط في صناعة القرار”، مشيراً إلى أن القرارات المالية ذات الحساسية العالية ينبغي أن تُدرس بعناية لتجنب إحداث إرباك في الحركة الاقتصادية. ويرى خليل أن الحكومة مضت بإصرار في خطة التغيير رغم محدودية سيطرتها المكانية في الفترة السابقة، إلا أن استعادة الجيش لمناطق في الخرطوم والجزيرة كشفت عن واقع جديد؛ حيث كانت تلك المناطق تتعامل بالعملة القديمة، ما اضطر الدولة للتعامل بمرونة “اضطرارية” مع هذا الواقع. ويحلل خليل هذا المشهد معتبراً أن هذه الخطوة سمحت بدخول كميات ضخمة من الكتلة النقدية التي كان الهدف الأصلي من سحبها هو ممارسة ضغط اقتصادي وتقليل التعامل النقدي في مناطق سيطرة الدعم السريع، لكن الواقع الحالي فتح ثغرة لهذه الأموال للعودة إلى الدورة الرسمية.
تدهور متسارع
ويصف خليل النهج الحالي بـ “التغيير بالقطاعي”، مرجحاً أن يستمر هذا النمط مع كل تقدم ميداني جديد للجيش. ويذهب الخبير الاقتصادي إلى أن القرار غلب عليه الطابع الأمني والعسكري ولم يكن مدفوعاً بضرورات اقتصادية أو مالية بحتة، وهو ما يفسر حالة الاستعجال وغياب الدراسات الدقيقة لمآلاته. وحذر خليل في ختام إفادته من تآكل قيمة الجنيه السوداني وتفاقم التضخم النقدي، مشيراً إلى أن العملة الوطنية تشهد تدهوراً متسارعاً أمام العملات الأجنبية نتيجة لزيادة الطلب في السوق الموازي، مما يعمق من حدة الأزمة الاقتصادية الراهنة.
و يبقى نجاح المرحلة الثانية لاستبدال العملة رهناً بالتوازن بين “الحزم التنظيمي” و”المرونة الميدانية”. وبين رسائل الطمأنة الرسمية وهواجس الشارع، يظل المواطن السوداني هو الرهان الحقيقي في عملية إصلاح نقدية شاملة تعيد للجنيه هيبته وللأسواق استقرارها.
