الفقر يطاول 70% من السودانيين والحرب تدفع الملايين إلى العوز

الخرطوم/ الغد السوداني – أفاد تقرير نشرته «اندبندنت عربية» بأن نحو 70 في المئة من السودانيين يعيشون حالياً تحت خط الفقر، في وقت دفعت فيه الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023 ملايين الأسر إلى فقدان مصادر دخلها ومدخراتها، مع تراجع النشاط الاقتصادي وارتفاع الأسعار وانهيار قيمة الجنيه السوداني.

ونقل التقرير عن الممثل المقيم لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي في السودان لوكا ريندا قوله إن معدل الفقر ارتفع من نحو 38 في المئة قبل الحرب إلى قرابة 70 في المئة حالياً، بينما يعيش واحد من كل أربعة سودانيين في فقر مدقع بدخل يقل عن دولارين يومياً.

وبحسب ريندا، ترتفع معدلات الفقر إلى نحو 75 في المئة في المناطق التي تتركز فيها الحرب، خصوصاً إقليمي دارفور وكردفان، فيما تراجع متوسط دخل الفرد إلى مستويات لم يشهدها السودان منذ عام 1992، متجاوزاً في بعض المؤشرات مستويات الفقر المدقع المسجلة خلال ثمانينيات القرن الماضي.

الحرب تقوض مصادر الدخل

وأدى استمرار القتال إلى توقف آلاف الأنشطة الاقتصادية، بما فيها المصانع والورش والأسواق والمتاجر والمؤسسات الحكومية والخاصة، ما تسبب في فقدان أعداد كبيرة من العاملين وظائفهم ومصادر دخلهم.

ويشير التقرير إلى أن مئات الأسر فقدت أعمالها ومدخراتها نتيجة تدمير المنشآت ونهب الممتلكات وتعطل سلاسل الإنتاج والتجارة، في وقت تراجعت فيه القدرة الشرائية بفعل التضخم والارتفاع الحاد في أسعار السلع والخدمات.

وقال عامل في القطاع الحكومي، بحسب التقرير، إن اتساع رقعة الحرب وتراجع الاقتصاد وغياب فرص العمل دفع ملايين السودانيين إلى أوضاع معيشية شديدة الصعوبة، مشيراً إلى أن مؤسسات عدة أوقفت موظفيها منذ الأشهر الأولى للحرب.

فقر متعدد الأبعاد

وتكشف بيانات أول مسح رسمي للفقر المتعدد الأبعاد في السودان حجم الأزمة حتى قبل اندلاع الحرب. فقد أظهر المسح أن 82.8 في المئة من السكان كانوا يعيشون أشكالاً مختلفة من الحرمان، فيما بلغ مؤشر الفقر المتعدد الأبعاد 0.441، وبلغت شدة الفقر 53.3 في المئة.

واعتمد المسح، الذي نفذه الجهاز المركزي للإحصاء بالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية، على 14 مؤشراً تشمل الصحة والتعليم ومستوى المعيشة والعمل، بدلاً من الاعتماد على الدخل وحده.

وسجل الحرمان من الخدمات الصحية أعلى المعدلات، إذ شمل 97.3 في المئة من السكان، تلاه الحرمان من خدمات الصرف الصحي بنسبة 86.9 في المئة، ثم صعوبات الحصول على وقود الطهي بنسبة 64.9 في المئة.

وتصدرت ولايات وسط دارفور وشرق دارفور وجنوب كردفان وغرب كردفان وجنوب دارفور قائمة الولايات الأكثر فقراً، بينما جاءت الخرطوم والشمالية في مستويات أدنى، مع استمرار هشاشة الأوضاع الاقتصادية فيهما.

البطالة تتسع

وترافق ارتفاع الفقر مع اتساع البطالة، إذ تشير تقديرات نقلها التقرير إلى تجاوزها 45 في المئة في بعض الولايات المتضررة من الحرب، بينما يرى اقتصاديون أن النسبة قد تتجاوز 60 في المئة بنهاية عام 2026 إذا استمر النزاع.

ويقول أكاديميون إن الحرب عطلت قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة، وأضعفت سلاسل الإمداد، ما انعكس على الإنتاجية والأسعار والأجور، ودفع أعداداً متزايدة من الأسر التي كانت تعتمد على دخل ثابت إلى الاعتماد على المساعدات.

كما ساهم فقدان الرواتب وتراجع قيمتها الحقيقية في تعميق الأزمة، بالتزامن مع توسع الاقتصاد غير الرسمي وارتفاع أسعار السلع والإيجارات.

دارفور وكردفان الأكثر تضرراً

ويتركز العبء الأكبر للأزمة في المناطق التي تشهد العمليات العسكرية، حيث تتداخل خسارة مصادر الدخل مع النزوح وتراجع الخدمات الأساسية وانعدام الأمن الغذائي.

ووفق تقديرات أوردها التقرير، يواجه نحو 24.6 مليون شخص في السودان مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينما يعيش أكثر من 600 ألف شخص في أوضاع مصنفة كارثية.

ويرى اقتصاديون أن الفقر في السودان لم يعد مرتبطاً بفقدان الدخل فقط، وإنما تحول إلى أزمة متعددة الأبعاد تشمل العمل والصحة والتعليم والغذاء والسكن والخدمات الأساسية.

محاولات حكومية للحد من الأزمة

وقال وزير الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية السوداني معتصم أحمد صالح إن الحرب تسببت في موجة واسعة من فقدان الوظائف في القطاعين العام والخاص، مشيراً إلى أن الحكومة تعمل على خطط للتعافي وإعادة تشغيل الاقتصاد.

وتشمل الخطط، بحسب الوزير، برامج لتوفير فرص عمل في البنية الأساسية وإعادة الإعمار والقطاع الزراعي، إلى جانب تمويل مشروعات صغيرة ومتناهية الصغر وتأهيل عشرات الآلاف من المتدربين في مجالات مهنية وتقنية.

ويشير صالح إلى ارتفاع معدل الفقر من 21 في المئة إلى 71 في المئة، نتيجة تراجع إيرادات الدولة وارتفاع الإنفاق المرتبط بالحرب وتعطل قطاعات اقتصادية وخدمية واسعة.

إنقاذ مصادر الرزق

ويرى خبراء اقتصاديون أن معالجة الأزمة تتطلب إجراءات تتجاوز المساعدات الإنسانية، تبدأ بإعادة تشغيل المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتوفير تمويل ميسر للعمال وأصحاب الأعمال المتضررين، إلى جانب تحسين سلاسل إمداد الغذاء وتشجيع الإنتاج الزراعي والصناعي.

كما يبرز توفير فرص تدريب وإعادة تأهيل للعمال الذين فقدوا وظائفهم باعتباره أحد المسارات الضرورية للحد من البطالة وتقليص الاعتماد على المساعدات.

ويختصر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي المشهد باعتباره أزمة تتجاوز الأرقام الاقتصادية، إذ يرى أن استمرار الحرب يؤدي إلى تآكل فرص ملايين السودانيين في العمل والتعليم وتحسين ظروفهم المعيشية، ويهدد بتكريس الفقر لسنوات طويلة حتى بعد توقف القتال.