سرديات..
وقف العالم اللغوي الجليل، أمام الحاكم الذي لا يُعصى له أمر، وقال:
*إنّي لَأُعلي عليك وعلى إبنيك هذين، شأنا، قنبر بن داكان*؛ فكان ما كان…
الجامع الأزرق في اسطنبول، يعد من أجمل الجوامع في العالم..كان ضمن برنامج الزيارة، التي قامت بها جمعية الآثار في الجامعة لتركيا في مطلع السبعينيات..
في ركن قصي من المسجد، يوجد متحف صغير، تعرض داخله، في صناديق زجاجية محكمة الإغلاق؛ مقتنيات اسلامية نادرة، منها المصحف الذي كان يقرأ منه سيدنا عثمان بن عفان، يوم قُتل..
بقعٌ داكنةٌ وجدناها على الصفحة المفتوحة من المصحف قيل لنا، إنها أثر باقٍ، من دمائه الطاهرة، حين تناثرت..ومنها ايضا ما قيل لنا، إنها شعرةٌ من رسولنا الكريم، إلى جانب سيفٍِ، تلفت الأنظار إليه، ضخامتُه والشرشرةُ على حديه..قالوا لذلك سماه صاحبُه بذي الفقار..
و *ذو الفقار* يا رعاك الله، هو سيف سيدنا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه..
وحامل السيف، وظيفةٌ كان لا يشغلها آنذاك، إلا من كان رجلا ذا ثقة، يأتمنه صاحب السيف..
*قنبر بن داكان* هو من كان يحمل هذا السيف، حتى يدخلَ الإمامُ علي ساحةَ الوغى؛ ومنها موقعة الجمل والنهراوان..
كتاب *إصلاح المنطق* من أقيم المراجع في اللغة العربية-والمنطق هنا يقصد به المنطق اللساني، وليس المقصود به علم الفلسفة اليوناني..
يعقوب بن اسحاق المكنى ب *ابن السِّكِّيت* هو صاحب هذا السِفر القيم..لُقِّب والدُه بالسكيت لأنه كان كثير السكوت، طويل الصمت..
ابن السكيت كان من ابرز علماء اللغة والنحو والأدب في العصر العباسي.. فأوكله الخليفة العباسي المتوكل، تعليم ابنيه المعتز والمؤيد، رغم ما كان بين الرجلين من عداوة-فابن السكيت من شيعة علي، والمتوكل من خلفاء الدولة العباسية..
دخل المتوكل يوماً على ولديه ومعهما ابن السِّكِّيت، فسأل ابن السكيت اختباراً وتعصباً: “أَعَبْدَاكَ هذانِ -يعني المعتز والمؤيد- أحبُّ إليك أم الحسن والحسين؟”.
كان ابن السكيت شجاعاً وصادقاً ومحبّاً لأهل البيت، فلم يتقن النفاق ولم يقدر على كتمان الحق، فأجاب بصراحة بالغة: “*قنبرُ خادمُ عليٍّ، خيرٌ منك ومن ابنيك*!”.
غضب المتوكل غضباً شديداً من هذه الإجابة الجريئة، التي فضلت خادم الإمام علي، عليه وعلى ولديه…
قطع المتوكل لسان ابن السكيت، ثم أمر جنده وجلاوزته بالبطش به، فداسوا بطنه حتى استشهد متأثراً بثقل الوطء..
داسوا بطنه حتى أُستشهد!
تأملوا رجالا غلاظا شداداً، يطأون بأحذيتهم الثقيلة، بطن رجل ملقىً على الأرض، حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة..!!
أي قسوة هذه!
ثم يُرفع الستار ويتبدل المشهد:
الخليفة المتوكل يجلس في كرسي الحكم، وحوله الحشم والخدم، يأمر فيطاع..
الحاجب يستأذنه في دخول شاعر بدوي..
يؤذن له..
الشاعر يبدأ قصيدتَه مادحا الخليفة المتوكل قائلا:
أنت كالكلبِ في حفاظِك للودِّ،
وكالتيسِ في مُقارعة الخطوب،
أنت كالدلوِ ما عدمناك دلواً،
*من كبارِ الدلاء كثير الذنوب..
الشاعر هو علي بن الجهم..
قالوا لنا أيام الطلب، إن *الخليفة المتوكل* عرِف حُسنَ مقصد الشاعر البدوي الجلف، وأنه ما رأى سوى ما شبّهَهُ به، لعدم المخالطة وملازمة البادية، فأمر له بدارٍ حسنةٍ على شاطىء دجلة، ثم جيء به للقصر بعد حين، ليصف ما رأى بعد أن تحوّلت حياتُه من الجلافة والخشونة والسماجة والفظاظة إلى الدعة والتمدُّن حيث قال:
عيون المها بين الرصافة والجسر،
جلبنَ الهوى من حيث أدري ولا ادري..
علمونا في المدارس أن هذين المثالين يعكسان بوضوح اثر البيئة في الشاعر وفي ما يقوله من شعر…
صدّقنا مَن علّمونا، فيما ذهبوا إليه من حيث أثر البيئة في الشاعر وما يقوله من شعر، ولكن ما كدنا نرفضه او أننا صدقناه على مضض، هو معرفتنا بالحاكم العربي، وعنجُهِيَّتِه التي لا تسمح لأيٍّ كان أن يصفَه بالكلب-مهما كان صفاء نيته! ودونك الخليفة الذي داس على بطن خصمه السياسي حتى هلك!
والنعت بالكلب في الشعر العربي، قديمه وحديثه، غالبا ما يجيء في الهجاء وليس في المدح..
وهذا ابن الرومي يهجو أحدهم:
وجهُك يا عمرو فيه طولٌ،
وفي وجوه الكلاب طول،
فأين منك الحياةُ قل لي،
يا كلبُ والكلبُ لا يقولُ،
والكلب من شأنه التعدي،
والكلب من شأنه الغُلولُ..
والغلول من الخيانة..
وورد النعت بالكلاب هجاءً في أشعار الحطيئة وهو الرائد في فن الهجاء في الشعر العربي..
إذن ما ينسب من قولٍ ل علي بن الجهم في الببتين أعلاه يبدو مشكوكاً في صحته، وهو ما دعاني لكي ابحث أكثر..
فوجدتُ أن كثير من الرواة يشكّكون في نسب البيتين ل علي بن الجهم، فيما يذهب آخرون إلى أن النسب لا يعدو كونه *لفحةً شعوبيةً*، تريد تصوير العرب أجلافاً لا يعرفون ذوقاً ولا يدركون الحسنَ من السيء..
وتقول كتب الأدب إن الشاعر نفسَه-علي بن الجهم- مدح الواثق-وهو من ولي الخلافة قبل المتوكل- بابيات تقول:
أحسن خلق الله وجهاً إذا،
بدا عليه حُلّةٌ تزهرٌ..
وأخطب الناس على منبر،
يختال في وطأته المنبر..
فامّر الله إمام الهدى،
والله مَن ينصره ينصرُ..
في تاريخ الطبري أن علي بن الجهم مدح الخليفة الواثق بعد أن وُليَ الخلافة قبل المتوكل، وهو يدلُّ على صلته بالخلفاء قبل المتوكل، وعلى معرفته بما يلائم وما لا يلائم، من فنون القول وضروب التشبيه..
والأهم من كل ذلك تقول معظم كتب الادب العربي إن علي بن الجهم ولد ونشأ وترعرع ببغداد ولم تكن البادية له موطنا…!
لذلك إن سلّمنا بصحة البيتين اللذين ينسبان ل علي بن الجهم في مدحه ل لمتوكل، فربما يكون قد قال ما قال من وصف، في مجلس المتوكل عابثاً ببعض الندماء او المضحكين؛ ولكني أشكّ ان يكون المنعوت هو الخليفة..
بالله عليك، قل لي: مَن هو العربيُّ الذي يجرؤ على نعت حاكمه ب *الكلب* وإن كان مستحقاً لهذا النعت عن جدارةٍ واستحقاق؟
ثم قل لي بربك كيف يعقل أن نسمع بحاكم قطع لسان من قال الحقيقة من رعيته، ثم يأتينا من يقول لنا، إن الحاكم نفسََه عامل من وصفه بالكلب، بلطف وحسن وفادة؛ ويريدنا أن نصدقَ قوَلَه هذا الفطير!.
لذلك أرى أن من ألّف حكاية “أنت كالكلب في حفاظك للود…” كان ساذجاً على نحو يدعو للرثاء أو خبيثا يريد الإساءة للأعراب، والذين يستدلون بها، تجوز على قلوبهم الشفقة وعلى عقولهم الصدقة..
وما يدعو للاستغراب أن الحكاية الممجوجة هذه، لو لاكتها الألسن كنكتة، لما اعترضنا عليها، ولكنها للأسف تقدم كحقيقة تاريخية وأحيانا كمادة تعليمية وبها يُستشهَد على أثر البيئة في الشاعر…
