ويبقى الود… والقدال لم يترك وصية سياسية لعمر كابو
دكتور أحمد خضر يكتب
في الرد على مقال للدكتور عمر كابو، يفترض فيه أن القدال لو كان حيا اليوم لوقف معاديا للقوى المدنية.
يبدو أن الدكتور عمر كابو اكتشف، بعد رحيل القدال، موهبة جديدة للشاعر لم نعرفها عنه: الكتابة السياسية للمستقبل، وترك مهمة تفسير ما كان سيقوله لمن يأتي بعده!
السؤال الذي بنى عليه كابو مقاله بسيط: ماذا كان سيقول القدال لو عاش ورأى ما يحدث اليوم؟
والإجابة أبسط: لا أحد يعرف.
لكننا نعرف شيئا مؤكدا: القدال الذي عرفناه لم يكن يستمع إلى الأكاذيب، ولا إلى أدوات التخوين وإلصاق تهم العمالة، وهي ذات اللغة التي ظل إعلام الإنقاذ يستخدمها طوال عقود حكمه.
المشكلة أن عمر كابو لم يكتف بالسؤال، بل كتب الإجابة نيابة عن القدال، ثم أقام عليها محاكمة كاملة لقوى سياسية لم يعش الشاعر ليرى مواقفها الحالية.
وهنا تصبح المسألة أكثر من مجرد اختلاف في قراءة قصيدة.
فالقدال، رحمه الله، لم يترك تسجيلا يقول فيه:
“إذا قامت الحرب، فاحفظوا قصائدي عند الدكتور كابو، فهو سيشرح لكم موقفي!”
بل ترك لنا شيئا أكثر إحراجا لمن يريد اختراع موقف له:
ترك موقفه الحقيقي وهو حي.
وفي آخر مواقفه المعلنة، دعا الشباب والقوى السياسية والشعب السوداني إلى دعم مبادرة حمدوك وإنقاذ الفترة الانتقالية وتصحيح مسار الثورة.
هذا قاله القدال وهو حي.
أما الكلام الذي نسمعه اليوم عن “ما كان سيقوله القدال”، فهو محاولة لتطويع قصيدة الراحل لتخدم اصطفافا سياسيا لم يختره، ولم يفوض أحدا للحديث باسمه بعد موته.
تصحيح صغير… لكنه مهم
وقبل مواصلة الحديث، وجب تصحيح معلومة وردت في المقال: حليوة تتبع لمحلية جنوب الجزيرة، وليست لمحلية جنوب الحصاحيصا.
والقدال، شاعر الثورة كما يلقبه البعض، لم يكن شاعرا متعدد السروج؛ طريقه كان واحدا وقلبه كان واحدا.
لم يكن من أولئك الذين يركبون سرج الثورة يوما، ثم يركبون سرج العسكر في اليوم التالي.
ولعل كلماته في يونيو 2020 تكفي لتوضيح موقفه من الانتهازية السياسية:
فيا كيزان جداد وقدام
إنتو ما فيكم نصيح؟
إنتو النية متروكة
وكنتوا الميتة مدروكة
والمدروكة ما سامعة البصيح
لا إنتو أسيادا صحيح
لا نحن كنا لكم عبيد.
محمد طه القدال – أمبدة، 28 يونيو 2020
ومواقف القدال الداعمة للفترة الانتقالية وقوى الثورة ليست سرا يحتاج إلى تأويل.
فهو كتب:
شن عندي ليك أنا يا وطن؟
سلمية بس… مدنية أول يا بلاد.
وفي قصيدته عن مجزرة القيادة قال:
ماشفتوا الرصاص هضرب؟
صباح الغدر والبهتان
هداك العسكري الرداح
ومن بعد الكتل يا خيبة قام كضب
ثم جاء موقفه أكثر وضوحا في أبريل 2019، عندما خاطب المعتصمين:
أقيف عندك
وخليك في اعتصامك بس
ولا تنغش
…
ما عايزين سوار تاني
ولا المبلول يهاب الرش
فخليك في اعتصامك بس
هذه ليست قصائد كتبها القدال بعد أن رحل، ولا مواقف اخترعها من يريدون الدفاع عنه.
هذه كلماته وهو حي.
القدال لم يكن شاعرا للجغم
والقدال الذي نعرفه لم يكن صوتا للحرب ولا للفتك ولا للغبينة.
ومن غير القدال ضمد جراح دارفور شعرا، وكتب عدد من الشاشاي:
دوباي للنيل، الصايحة الما نايحة، شاشاي لحلومه، الهداي الرضاي، مردوم للفرسان، شاشاي للناس جمعية.
الجنينة .. فوربَـرَنْـقا ..أمبدة .. الفاشر .. حليوه .. 2007م
كانت تلك الأعمال رسائل محبة وسلام ورتق للنسيج الاجتماعي، لا دعوات للثأر والجغم.
وكان القدال وحميد ينشدان معا:
“أرضا سلاح”.
فهل أصبح الشاعر الذي حمل في شعره الوطن والناس والسلام، فجأة، منظرا لمعسكر في حرب لم يعش ليرى تفاصيلها؟
هنا يأتي المنهج الرغبوي في تطويع النص.
يؤخذ بيت:
“شان عيون أطفالنا ما تضوق الهزيمة”
ثم يتحول فجأة إلى دليل سياسي على موقف القدال من الحرب!
والحقيقة أبسط من ذلك بكثير:
القدال كان يتحدث عن أطفال السودان، لا عن انتصار معسكر سياسي على معسكر آخر.
حتى استقبال الجثمان لا يحتاج إلى تأويل
استقبال جثمان القدال رسميا، وحضور الدكتور حمدوك، ثم إقامة التأبين بحضور رسمي وشعبي، لا يجعل القدال “شاعر الحكومة”، كما أن ذلك لا يجعله شاعرا لأي جهة أخرى.
فالاحترام الرسمي للشاعر لا يعني امتلاكه سياسيا.
بل إن اجتماعات لجنة تأبينه التي عقدت في قاعة مجلس الوزراء تعكس في ذلك الوقت تقديرا رسميا لقيمة المبدع ومكانته.
لكن الأهم أن علاقة القدال بالثورة وقضاياها لم تبدأ عند بوابة مجلس الوزراء، ولم تنته عند استقبال جثمانه.
كان من أوائل المعتقلين في ديسمبر 2018، ومن أوائل من حذروا من مخططات اللجنة الأمنية.
كان موقفه واضحا وهو حي.
والمفارقة الأهم
عمر كابو يريد أن يقنعنا بأن القدال كان سيقف اليوم ضد خط السلام، وضد توجهات القوى المدنية، وضد ما ارتبط بمواقفه السابقة.
لكن القدال نفسه، قبل رحيله، كان يدعو إلى دعم مبادرة حمدوك لإنقاذ الانتقال.
هنا لا نحتاج إلى تأويل القصائد.
ولا إلى استحضار الأرواح السياسية.
نحتاج فقط إلى قراءة ما قاله الرجل.
وهذه هي المشكلة في تحويل الموتى إلى شهود دفاع في معارك الأحياء:
الميت لا يستطيع أن يعترض.
فيصبح من السهل جدا أن تقول عنه ما تشاء، وأن تمنحه موقفك، ثم تختم المقال بعبارة مؤثرة عن الوطنية.
لكن القدال ليس ملكا لمن يريد استخدامه اليوم.
ولا يجوز أن نضع في فمه ما لم يقله، ثم نحاكم الآخرين على أساسه.
انتقدوا حمدوك.
انتقدوا قوى الحرية والتغيير.
انتقدوا الجيش.
وانتقدوا الدعم السريع.
وانتقدوا أي طرف ترون أنه أخطأ.
لكن اتركوا القدال في حاله.
فهو قال كلمته وهو حي.
ولم يفوض أحدا ليتحدث باسمه بعد موته.
وتحويل قصائده إلى بيانات سياسية جاهزة، ثم اقتطاع بيت من هنا أو هناك لإدانة هذا الطرف أو ذاك، ليس قراءة للنص، بل تطويع للنص لخدمة موقف مسبق.
ويبقى الود…
أما القدال، فيبقى للسودانيين جميعا.
لا شاهدا في محكمة سياسية لم يحضرها، ولا متحدثا باسم معسكر لم يختره.
