والصبح إذا تنفّس

الجميل الفاضل يكتب:

ليس التاريخُ هو فقط ما تكتبه الأقلام، ولا ما تحفظه دور الوثائق وخزائن الدول، ولا ما يتداوله الساسة في الغرف المغلقة؛ فكل ذلك ليس سوى زَبَدٍ يربو هنيهةً ثم يذهب جُفاءً.
أما التاريخ الحقيقي، فهو ذلك السفرُ الخفي الذي تخطُّه يدُ القدرة على صفحات الزمن، لا تُخطئ موعدها، ولا تُجامل سلطاناً، ولا تُبدّل حكمها من أجل جماعةٍ متوهَّمة، أو أيديولوجيا مستكبرة.
علي أية حال، فقد كانت الحركة الإسلامية السودانية تنسج هنا خيوط أوهامٍ كُبرى من كفاف يومها، تتجنب بها النظر في مرآة خيباتها.
نعم صحيح أن الخدر لذيذ، وأن النوم على أي نوع من العسل مُغرٍ.
لكن خَدَراً مُفرطاً كان قد سرى في أوصال هذه الحركة لثلاثة عقود، نامت خلالها على وحيٍ شيطاني مذهل، أقنع قادتها بأن حركتهم لن تُسلِّم مفاتيح البلاد إلا إلى «السيد المسيح» حصراً، وأن رجالها لو ناموا كأهل الكهف ثلاثمائة وتسعاً، ما نزع سلطانهم أحد حتى وهم نائمون.
وأن من أراد المساس بملكهم فليجرّب أولاً هزَّ ذراعه، أو لحسَ كوعه على الأقل.
تصوَّر إلى أي مدى بلغ هؤلاء الإسلاميون من التجبر والطغيان، ومن جنون العظمة، ومن التيه والصلف والغرور.
فقد نسي هؤلاء الناس أن ما يجري في الأرض ما هو إلا ظلاًّ لما يجري في عالمٍ آخر؛
عالمٍ يُحيل الوقائع إلى مجرد أمواجٍ تتلاطم فوق سطح بحرٍ عميق، تحرّكها تيارات تنطلق من مقامٍ لا تُدركه الأبصار، لترمي بآثارها على مصائر كافة الأمم والشعوب.
في لحظة لا يُوزَن الناس فيها بقوة جيوشهم، إنما بصدق قلوبهم، ولا تُقاس الدول باتساع سلطانها، إنما بقدر ما بقي فيها من عدلٍ يمنعها من هاوية السقوط.
وهنا تتجلى معاني القرآن، لا بوصفها قصص أقوامٍ مضوا، إنما بوصفها خارطةً ربانية تتكرر كلما ظنت جماعةٌ أن بإمكانها أن تُعطّل نواميس الكون، أو أن تناطح صخرة القدر.
إذ يقول الحق سبحانه وتعالى:
﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ۝ فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ ۝ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا ۚ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
إنها ثلاث وخزاتٍ في ثلاث آيات، ترسم صورة ثلاثة مقاماتٍ تراوح بينها الأمم، حين تظن أنها تصنع تاريخها وحدها، بينما التاريخ هو الذي يصنع نهاياتها في الواقع.
وبالتالي فما من جماعةٍ يريد الله بها خيراً إلا أيقظها قبل أن يأخذها أخذ عزيز مقتدر؛
يرسل لها إنذاراً في هيئة بأسٍ، ثم يكسو محنتها ثوب رحمة، ليجعل انكسارها مرآةً ترى فيها ما عجزت عن رؤيته في زمن قوتها.
وبالطبع فإن أخطر العمى هو عمى البصيرة، الذي يُصلِّب القلوب حتى ترى في اعترافها بالخطأ هزيمةً، وفي تواضعها ضعفاً، وفي مراجعاتها خيانة.
ليبدأ معها الشيطان مهمته الأخطر المتمثلة في إلباس الباطل أثواب الحق، وجعل الخطيئة تبدو كأنها بطولة، ومنح الاستبداد اسماً آخر، وصبغ شهوة التمكين بلون زائف براق.
عندها لا يعود الإنسان أسير خصومه، بل أسير صورته التي صنعها هو لنفسه.
وهنا بالضبط يُغلق باب التضرع، لتبدأ رحلة الأفول.
أما المقام الثاني فهو مقام الاستدراج؛ حيث يكمن السر العميق الذي يضل عنده أكثر الناس.
وعندها لا يصبح كل فتحٍ كرامة، ولا كل مظهر تمكينٍ رضا، ولا كل اتساع نفوذٍ بشارة.
فكم من بابٍ فُتح ليكون آخر أبواب الخروج، وكم من سلطانٍ بدا كأنه ذروة مجد، بينما هو في الحقيقة رحلة صعود إلى آخر درجات سلم السقوط.
لقد انفتحت أمام الإسلاميين كافة الأبواب: باب الدولة، وباب المال، وباب التمكين، وباب النفوذ والسيطرة، وباب القدرة على تشكيل الواقع كما تشتهي أنفسهم.
حتى ظنوا أن الخيوط قد أُحكم نسجها، وأن بيت عنكبوتهم قد صار جبلاً لا تهزه ريح.
غافلين عن أن الأقدار كانت تنسج حولهم في صمت خيطاً آخر، خيطاً لا يُرى.
هو خيط الاستدراج، ذلك الخيط الذي يمنحك كل شيء حتى لا يدع لك حجة أو عذراً في ساعة الأخذ.
ولذلك جاء التعبير القرآني بالغ الرهبة قائلاً:
﴿فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾.
هي أبواب من كل شيء، لا تبقى دونها حاجة لشيء.
أما ثالث المقامات فهو مقام الإبلاس؛ الذي ينشأ حين يكتمل الوهم، وحين تطمئن القلوب إلى قوتها، وحين يظن الإنسان أن ما بين يديه صار ملكاً خالصاً له.
حينها سيتحرك ميزان الملكوت ليعيد الأمور إلى نصابها؛
لا بعاصفة، ولا بصيحة،
بل بـ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾. وما أوجع مثل هذه البغتة التي لا يعقبها مجرد سقوط للسلطة، لكن يعقبها سقوط لكل تلك الأقنعة التي كانت تقوم عليها هذه السلطة.
لتصبح الخسارة ليست خسارة دولة وحكم فحسب، بل هي لحظة انهيار يقينٍ كذوب ظل يعشش في الخواطر والقلوب.
وهنا يولد الإبلاس، ذلك الصمت الثقيل الذي يقف فيه الإنسان على أنقاض عالمه المتوهم، فلا يجد في ذاكرته جواباً، ولا في مستقبله نافذةً، ولا بين يديه سوى خيوطٍ تتهاوى كما تتهاوى بيوت العنكبوت مع تنفس الصبح وانبلاج نور الفجر.
أفليس هذا ما نراه اليوم؟
تراشقٌ بالاتهامات، وتبادلٌ للتخوين، وتنازعٌ على الميراث قبل اكتمال الجنازة.
ثم استنجادٌ بمن كانوا يوماً خصوماً، وفرارُ كل جناحٍ بما بقي له من اسم إلى تركيا أو إلى مصر أو قطر، كصغار العناكب حين تشعر أن البيت الذي وُلدت فيه قد صار قبراً مفتوحاً.
لتأتي الكلمة الفصل التي لا يقولها المنتصر، ولا يكتبها المؤرخ؛
تنطق بها الأقدار وحدها:
﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾.
وهكذا يكتمل مشهد بيت العنكبوت.
فما بدأ بالتزيين انتهى بالإبلاس، وما افتُتح بالتمكين خُتم بالاستدراج، وما ظنه أصحابه حصناً منيعاً لم يكن في ميزان السماء إلا خيطاً معلقاً بين إمهالٍ ورحمة.
حتى إذا جاء ميقات الحقيقة هبّت ريحٌ واحدة، لم تُسقط البيت من خارجه، لكن جعلته ينهار من داخله، ليبقى شاهداً إلى قيام الساعة على أن السنن إذا نطقت صمتت كل الأصوات، وإذا حضرت الحقيقة لم يبقَ من بيوت العنكبوت إلا ذكرى تتأرجح على خيطٍ مقطوع.