أسباب الحروب الأهلية في السودان.. الجذور التاريخية ودروس السلام (6 -17)

إبراهيم البدوي

أكاديمي وخبير اقتصادي سوداني

المقدمة

على مدى أكثر من خمسةٍ وعشرين عاماً، كتبتُ نحو خمسة عشر بحثاً أكاديمياً تناولت قضايا الحرب والسلام، وأسبابهما، وآثارهما الاقتصادية والسياسية، نُشر معظمها في مجلات علمية محكَّمة أو كفصول في كتب أكاديمية محكَّمة. وانطلاقاً من هذه الدراسات، أعددتُ سبعة عشر مقالاً، صغتها بأسلوب أرجو أن يكون ميسوراً للقارئ العام، دون الإخلال بما تستند إليه من معرفة علمية وشواهد تجريبية. وستُنشر هذه المقالات، بإذن الله، تباعاً خلال الأسابيع القليلة المقبلة في عدد من وسائط الإعلام السودانية، مساهمةً متواضعةً في إثراء الحوار الوطني القائم على المعرفة والأدلة، والمستفيد من تجارب الأمم الأخرى ومن التاريخ السوداني نفسه في معالجة هذه القضايا المصيرية. وتدور هذه المقالات حول أربعة أسئلة رئيسة:

أولاً، ما هى أسباب الحروب الأهلية، وما أبرز آثارها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية؟؛

ثانياً، كيف تنتهي الحروب الأهلية، وكيف يبدأ بناء السلام؟؛

ثالثاً، كيف تؤدي الحروب الأهلية إلى تدمير الاقتصادات وإضعاف مؤسسات الدولة وتدهور الحوكمة؟؛

رابعاً، ما هى المتطلبات الأساسية لتحقيق إعادة إعمار اقتصادية وسياسية ناجحة ومستدامة بعد انتهاء النزاعات؟

وفي ختام كل مجموعة من هذه المقالات، سأحاول استخلاص أهم الدروس المستفادة بالنسبة للسودان، وربطها بواقع الحرب الراهنة، أملاً في أن تسهم في إثراء النقاش العام حول سبل إنهاء الحرب وبناء سلامٍ عادلٍ ودائم، ووضع البلاد على مسار التعافي والتنمية المستدامة.

ابراهيم البدوى عبد الساتر

كيف تنتهي الحرب الأهلية ويبدأ بناء السلام؟ (المقال 6 من 17)

كسر الحلقة المفرغة في السودان: نحو بناء نظام سياسي محصَّن ضد الانقلابات والحروب الأهلية

ما الذي يجعل بعض الدول تعيش انقلاباً بعد انقلاب وحرباً أهلية بعد أخرى، بينما تنجح دول أخرى، بما في ذلك عدد من الدول الأفريقية، في كسر هذه الحلقة المفرغة؟ ربما لا يوجد سؤال أكثر إلحاحاً بالنسبة للسودان وهو يستعد لليوم التالي للحرب. وبعبارة أخرى، يبرز سؤال يتقدم على كل ما عداه: كيف نضمن أن يكون انقلاب أكتوبر 2021 والحرب الأهلية الراهنة آخر انقلاب وآخر حرب أهلية في تاريخ السودان؟

إن إنهاء القتال، على أهميته القصوى، لا يضمن، في حد ذاته، سلاماً دائماً. فمنذ الاستقلال، ظل السودان أسير حلقة مفرغة تتعاقب فيها الانقلابات، والأنظمة العسكرية المتطاولة، والثورات الشعبية، والحكومات الديمقراطية قصيرة العمر، في دورة متكررة من العنف السياسي تعيد إنتاج نفسها باستمرار، في دوامة من العنف السياسي تعيد إنتاج نفسها باستمرار، وهي الظاهرة التي أطلقنا عليها، فى مقال مشترك مع الأستاذ الزاكي الحلو (أنظر المرجع أدناه)، اسم “المتلازمة السودانية”. ومن ثم، فإن كسر هذه الحلقة لا يتحقق بمجرد توقيع اتفاق سلام، بل يتطلب إعادة بناء النظام السياسي على أسسٍ تجعل اللجوء إلى العنف والانقلاب على الشرعية طريقاً مسدوداً إلى السلطة.

العنف السياسي عملية متدرجة، لا حدثاً مفرداً:

كان فهم كيفية كسر هذه الحلقة أحد الدوافع الأساسية وراء ورقتي البحثية التي أعددتها بالاشتراك مع البروفيسور كريستينا بوديا، أستاذة العلوم السياسية بجامعة ولاية ميتشيغان الأمريكية، بعنوان “النزاعات والانقلابات والحروب الأهلية: إعادة النظر في جدلية عوامل الجشع والمظالم” (نورد المرجع الكامل للورقة في نهاية هذا المقال). تتمثل المساهمة النظرية الرئيسة لهذه الورقة البحثية فى إعتمادها فرضية تختلف عن معظم الأدبيات السابقة، حيث أنها لا تنظر إلى الانقلابات العسكرية والنزاعات السياسية والحروب الأهلية بوصفها ظواهر مستقلة، بل باعتبارها حلقات متعاقبة في دورة واحدة من العنف السياسي. فعندما تعجز المؤسسات عن إدارة الخلافات سلمياً، تتدرج الأزمة من الاحتجاجات والصراعات السياسية إلى الانقلابات والنزاعات الأهلية، ثم تنتهي، في كثير من الأحيان، إلى حرب أهلية شاملة. وبذلك يصبح كل شكل من أشكال العنف ممهداً للشكل الذي يليه من حيث شمول العنف وكثافته، ما لم تُكسر هذه السلسلة بإصلاحات مؤسسية تعيد تنظيم المنافسة السياسية على أسس سلمية.

هذه الرؤية التي تبدو بسيطة تغير طريقة تفكيرنا بشأن منع تداعيات فشل المجتمعات والبلدان فى تنظيم إختلافاتها الداخلية بصورة سلمية ومستدامة. عليه، بدلاً من التساؤل فقط عن سبب اندلاع الحروب الأهلية، ينبغي أن نتساءل في المقام الأول عن سبب تحول الخلافات السياسية والهوياتية إلى عنف بشكل متكرر. فالبلدان التي تعتبر العنف أمراً عادياً على المستويات الدنيا تكون أكثر عرضة بكثير لخوض حروب واسعة النطاق في نهاية المطاف. وعند النظر إلى الوضع الحالي في السودان، تبدو هذه الزاوية ذات صلة وثيقة بالموضوع بشكل لافت.

ولا تقتصر مساهمة هذه الورقة على طرح هذا الإطار النظري الجديد، بل تمتد إلى اختباره تجريبياً باستخدام نموذج اقتصاد سياسي يفسر كيف يتفاعل ضعف مؤسسات إدارة الخلافات السياسية-الأيدلوجية أو الصراع الهوياتى حول قسمة الأرض وغيرها من الموارد، مثل الذهب، مع التنوع الهوياتى والحوافز الاقتصادية لتحديد شكل العنف السياسي. وانطلاقاً من هذا النموذج، طوّرنا إطاراً اقتصادياً قياسياً متعدد الفئات (Multinomial Logit)، يسمح بتحليل العوامل التي تحدد ما إذا كانت الخلافات السياسية تنتهي إلى سلام، أو اضطرابات عنيفة، أو انقلاب عسكري، أو حرب أهلية، بدلاً من الاقتصار على تفسير الحروب الأهلية وحدها. وقد استند التحليل إلى قاعدة بيانات عالمية شملت نحو 125 دولة خلال الفترة 1951-1999، ودمجت بيانات الحروب الأهلية والانقلابات والاضطرابات السياسية مع مؤشرات الديمقراطية، والتنوع والإستقطاب الهوياتى، ومستوى الدخل، وعدم الاستقرار السياسي، وغيرها من المتغيرات المجتمعية والاقتصادية والمؤسسية. وقد أتاح هذا النهج اختبار الفرضيات النظرية بصورة أكثر شمولاً، والكشف عن الروابط الديناميكية بين مختلف أشكال العنف السياسي.

وتقود النظرية، التي أكدت نتائج الاختبارات القياسية صحتها، إلى ثلاثة استنتاجات هامة بالنسبة لفهم جذور العنف السياسي وسبل الوقاية منه.

الدرس الأول: الانقلابات تولد المزيد من الانقلابات وتؤدي في النهاية إلى حروب أهلية:

ولعل النتيجة التجريبية الأكثر لفتاً للنظر في هذه الورقة البحثية هي أن للتاريخ أهمية بالغة. فالبلدان التي شهدت انقلابات أكثر عرضة بشكل ملحوظ لتكرار الانقلابات في المستقبل. والأهم من ذلك، أنها أكثر عرضة بكثير للانزلاق إلى حرب أهلية.

لماذا يحدث هذا؟ توضح الدراسة أنه بمجرد أن يكتشف الفاعلون السياسيون أنه يمكن الاستيلاء على السلطة من خلال التدخل العسكري، تصبح الانقلابات جزءاً من “مجموعة الأدوات” السياسية. وتستجيب الحكومات بإعادة تنظيم الجهاز الأمني – ليس بالضرورة لتعزيز الدفاع الوطني، بل لحماية نفسها من الانقلابات المستقبلية. فيصبح الجيش مجزأً، وتتكاثر المنظمات الأمنية المتنافسة، وتُكرَّس الموارد لبقاء النظام بدلاً من بناء الدولة. ومن المفارقات أن هذه التدابير غالباً ما تضعف القدرة الأمنية الشاملة للدولة، مما يسهل ظهور حركات التمرد ويصعب على الحكومات احتواءها. بعبارة أخرى، لا يقتصر دور الانقلاب على استبدال حكومة بأخرى فحسب. بل إنه يعيد تشكيل الحوافز السياسية للنظام برمته، مما يزيد من احتمالية حدوث انقلابات لاحقة، بل وحتى حروب أهلية في المستقبل.

الدرس الثاني: الديمقراطية “الهوياتية-الفئوية” قد تكون أخطر من الديكتاتورية:

يفترض الكثيرون أن أي تحرك نحو الديمقراطية يقلل تلقائياً من إحتمالية أو حدة النزاعات. إلا أن نتائج ورقتنا تشير إلى واقع أكثر تعقيداً، حيث تميز الدراسة بين الديمقراطيات الكاملة، والديمقراطيات الجزئية، والأنظمة الاستبدادية. وأهم استنتاج توصلت إليه هو أن النظام السياسي الأكثر خطورة ليس الديمقراطية ولا حتى الديكتاتورية، بل هو الديمقراطية الجزئية الهوياتية أو الفئوية.

ماذا يعني هذا؟ الديمقراطية الجزئية الفئوية هي نظام تُجرى فيه الانتخابات ويُسمح بالمشاركة السياسية، لكن المنافسة السياسية تدور في المقام الأول حول الهويات الإثنية أو الإقليمية أو القبلية أو الطائفية أو حتى الأيدلوجية المتكلسة، بدلاً من البرامج الوطنية. فى هذه الحالة، تصبح الأحزاب السياسية أدوات للمنافسة بين المجموعات بدلاً من أن تكون مؤسسات وطنية. في مثل هذه الأنظمة، يمكن للانتخابات أن تؤجج الصراع فعلياً. فبدلاً من حل النزاعات سلمياً، تتحول الانتخابات إلى منافسات ذات رهانات عالية على الوصول إلى موارد الدولة. وينتج عن ذلك زيادة احتمالية وقوع الانقلابات، والاضطرابات العنيفة، والحروب الأهلية. وعلى العكس من ذلك، توصلت الدراسة إلى أن الديمقراطيات ذات المصداقية والتي تعمل بكامل طاقتها تقلل بشكل كبير من مخاطر كل من الانقلابات والحروب الأهلية لأنها توفر آليات شرعية لإدارة المنافسة السياسية.

ولهذا التمييز آثار عميقة على السودان. ولا ينبغي أن يقتصر الهدف على إجراء الانتخابات في أسرع وقت ممكن. بل يجب أن يكون الهدف هو بناء مؤسسات قادرة على الحفاظ على ديمقراطية شاملة قبل بدء المنافسة الانتخابية. وإلا، فقد تصبح الانتخابات نفسها مصدراً آخر لعدم الاستقرار.

الدرس الثالث: الحروب الأهلية مدفوعة بكل من المظالم والجشع:

ظل الباحثون، لسنوات طويلة، منقسمين حول ما إذا كانت الحروب الأهلية تنشأ أساساً عن المظالم السياسية، كالإقصاء والتمييز والظلم، أم عن الحوافز المادية، أي فرص تحقيق مكاسب اقتصادية أو سياسية أو هوياتية من خلال التمرد. غير أن ورقتنا البحثية تجادل بأن هذا الانقسام يقوم على مفاضلة زائفة؛ فالمظالم والحوافز المادية ليسا تفسيرين متنافسين، بل عاملان متكاملان يتفاعلان في إنتاج العنف السياسي. فالعوامل الاقتصادية، مثل الفقر، وضعف قدرات الدولة، وإمكانية الاستيلاء على الأرض والموارد الأخرى، تزيد من قابلية المجتمع للنزاع، بينما تؤدي المظالم السياسية الناجمة عن الإقصاء، والمحاباة الهوياتية، وعدم تكافؤ المشاركة السياسية، والمؤسسات التمييزية، إلى توفير الدوافع التي تغذي هذا النزاع وتدفعه نحو التصعيد.

نحو بناء سودان محصن ضد الانقلابات والحروب الأهلية:

وتكتسب هذه النتائج أهمية استثنائية بالنسبة للسودان، لأن تاريخه السياسي يكاد يجسد نموذجاً مثالياً لهذه الحلقة المفرغة من العنف السياسي. فالانقلابات العسكرية في أعوام 1958 و1969 وخاصة فى 1989و2021 لم تقتصر على إسقاط حكومات مدنية، وإنما أسهمت في إضعاف المؤسسات، وتعميق الانقسامات، وتهيئة الظروف التي أفضت إلى موجات جديدة من التمرد والحروب الأهلية. كما أن تجارب الديمقراطية القصيرة لم تنجح في ترسيخ مؤسسات قادرة على تحويل التنافس السياسي من صراع صفري قائم على الهويات إلى تنافس برامجي قائم على الرؤى والسياسات العامة، الأمر الذي أبقى البلاد أسيرة “المتلازمة السودانية”؛ أي الحلقة المفرغة التي تتعاقب فيها الانقلابات والأنظمة العسكرية المتطاولة، والثورات الشعبية، والحكومات الديمقراطية الهشة، قصيرة العمر، بينما تتجدد النزاعات والحروب الأهلية باعتبارها سبباً ونتيجة لهذه الدورة، فتستنزف الدولة وتقوض أسس المشروع الوطني السوداني.

ومن ثم، فإن إعادة بناء السودان بعد الحرب لا ينبغي أن تقتصر على إعادة إعمار الاقتصاد أو إصلاح البنية التحتية، بل يجب أيضاً أن تستهدف إعادة تصميم قواعد النظام السياسي نفسه. وهذا يقتضي، أولاً، إعادة بناء المؤسسة العسكرية فى سياق عقيدة مهنية تؤدى إلى إخضاعها الكامل للسلطة المدنية الدستورية، وإخراجها نهائياً من دائرة المنافسة السياسية وكذلك الأنشطة الاقتصادية. ويقتضي، ثانياً، بناء نظام ديمقراطي شامل تقوم فيه المنافسة على البرامج الوطنية لا على الهويات الضيقة أو الأيدلوجيات العضود المتكلسة. كما يتطلب، ثالثاً، إقامة مؤسسات دستورية مستقلة وقادرة على إدارة الخلافات سلمياً، بحيث لا تعتقد أي جماعة سياسية أن اللجوء إلى القوة يوفر طريقاً أفضل للوصول إلى السلطة. وإلى جانب ذلك، ينبغي أن تقترن إعادة الإعمار الاقتصادي بإصلاحات سياسية تضمن المساواة في المواطنة، والتمثيل العادل، وآليات فعالة لتسوية النزاعات، حتى لا تعود المظالم لتغذي دورة جديدة من العنف. الأمر الذى يستدعى إعادة النظر فى مستويات الحكم وأسس بناء النظام الفيدرالى وهوية النظام التشريعى والتنفيذى فى البلاد (أنظر مقالى المشترك مع دكتور عصام عباس عن الإنتقال الآمن المدرج أدناه).

وهذا هو جوهر الرسالة التي تقدمها قراءة معاصرة لهذه الورقة البحثية، بالرغم من أنها كُتبت منذ نحو عقدين من الزمان. فالسؤال الحقيقي ليس فقط كيف نوقف الحرب الحالية، وإنما أيضاً كيف نبني نظاماً سياسياً يجعل الانقلابات والحروب الأهلية أقل احتمالاً جيلاً بعد جيل. فالدول لا تتحرر من دوامات العنف بمجرد توقيع اتفاقات السلام، وإنما عندما تنجح في بناء مؤسسات تجعل الاحتكام إلى الدستور والانتخابات أقل كلفة وأكثر جدوى من الاحتكام إلى السلاح. وإذا نجح السودان في اغتنام فرصة ما بعد الحرب لإعادة تأسيس دولته على هذه الأسس، فسيكون قد كسر، للمرة الأولى منذ الاستقلال، الحلقة التاريخية التي ربطت بين الانقلابات العسكرية والحروب الأهلية، وفتح الطريق أمام جمهورية ديمقراطية مستقرة يصبح فيها التداول السلمي للسلطة هو القاعدة، ويغدو العنف السياسي استثناءً لا يجد له مكاناً في الحياة العامة.

المراجع:

Bodea, Cristina, and Ibrahim Elbadawi. (2007). ” Riots, Coups and Civil War: Revisiting the Greed and Grievance Debate.” Policy Research Working Papers # WPS 4397, World Bank, Washington DC.

 

Elbadawi, Ibrahim and Alzaki Alhelo. 2023. “The Sudan Syndrome: State-Society Contests and The Future of Democracy After the December 2018 Revolution,” ERF Working Paper No. 1644, Economic Research Forum, Cairo, Egypt: August.

ابراهيم البدوى عبد الساتر وعصام عباس أحمد. 2026. “الانتقال الآمن: بناء نظام رئاسي انتقالي على رافعة الفيدرالية التنموية”: https://www.medameek.com/?p=199712