حراس المعاني في زمن الضجيج

ابراهيم  سالكا يكتب ...
في زمن صار فيه الكلام أرخص من الصمت وأسرع من الفكر وأخف من أن يشعر كثيرون بوزنه ظهرت فئة نادرة من الناس لا تتعامل مع الكلمة على أنها صوت يذوب في الهواء أو حروف تنتهي بانتهاء النطق بها بل تراها أمانة ومسؤولية وعهدا أخلاقيا يحمل صاحبه تبعاته أمام الله وأمام ضميره وأمام الناس. هؤلاء لا يخشون الحديث لأنهم عاجزون عنه ولا يؤثرون الصمت لأنهم يفتقرون إلى الحجة بل لأنهم يعلمون أن الكلمة إذا خرجت لم تعد ملكا لصاحبها وإنما أصبحت قوة فاعلة تشق طريقها في العقول والقلوب وقد تبني جسورا من الثقة والمحبة وقد تهدم في لحظة واحدة ما عجزت السنوات عن بنائه.
إنهم يدركون أن اللسان ليس مجرد أداة للنطق بل هو مرآة للعقل وترجمان للقلب وسفير للأخلاق. لذلك لا يسمحون له أن ينطلق بلا بصيرة ولا يتركونه أسيرا لانفعال عابر أو غضب مؤقت أو رغبة في انتصار سريع. فهم يعلمون أن كثيرا من الندوب التي يحملها الناس في أرواحهم لم تصنعها السيوف ولا الحروب وإنما صنعتها كلمات خرجت في لحظة تهور ثم بقيت آثارها سنوات لا تمحوها الاعتذارات.
الذين يحسبون كلماتهم قبل أن ينطقوا بها ليسوا ضعفاء كما يظن السطحيون ولا مترددين كما يتوهم المستعجلون بل هم أكثر الناس وعيا بقيمة اللغة وأشدهم إدراكا لتعقيد النفس البشرية. يعرفون أن الفكرة تولد في العقل صافية ثم تمر عبر اللغة فتتعرض لما يشبه الانكسار وأن المسافة بين ما نقصده وما يفهمه الآخرون قد تكون أوسع بكثير مما نتخيل. ولهذا يعيدون ترتيب أفكارهم مرة بعد أخرى ويهذبون عباراتهم وينقحون ألفاظهم كما ينقح الشاعر قصيدته وكما يصقل الصائغ جوهرته حتى لا يبقى فيها ما يشوه جمالها أو يفسد بريقها.
إنهم يعرفون أن أكثر الخصومات لم تبدأ بخيانة عظيمة ولا بسبب قضية كبيرة بل بدأت بكلمة فهمت على غير وجهها أو عبارة خانها التعبير أو نبرة لم تحسن حمل المقصود. وكم من بيت تصدع بسبب جملة قيلت في ساعة غضب وكم من صداقة دفنت تحت ركام تأويل خاطئ وكم من قلب انكسر لأن صاحبه لم يجد الكلمة التي تعبر عن صدقه كما ينبغي. فليست كل النوايا الطيبة تنجح في عبور الجسر إلى القلوب إذا كانت العبارات عاجزة عن حملها.
ولهذا يعيش هؤلاء في يقظة لغوية دائمة. يراجعون رسائلهم قبل إرسالها ويقرؤونها مرة واثنتين وعشرا ويحذفون كلمة ويستبدلون أخرى ويؤخرون عبارة ويقدمون غيرها وكأنهم يخوضون حوارا هادئا مع اللغة نفسها حتى تهديهم إلى اللفظ الذي لا يجرح ولا يظلم ولا يفتح بابا لتأويل لم يقصدوه. إنهم لا يخافون الفتحة والضمة من باب النحو وحده بل لأنهم يؤمنون أن انحرافا صغيرا في اللفظ قد يقود إلى انحراف كبير في الفهم وأن زلة اللسان قد تتحول إلى معركة لا تنتهي.
وفي عصر المنصات الرقمية أصبحت الكلمات أسرع من أصحابها. ضغطة زر واحدة تكفي لأن تعبر الجملة القارات وتصل إلى آلاف العيون في ثوان معدودة. ولهذا صار الخطأ اللغوي والأخلاقي أكثر خطورة من أي وقت مضى. كثيرون يكتبون قبل أن يفكروا ويتحدثون قبل أن يفهموا ويردون قبل أن يسمعوا ثم يقضون أعمارهم في ترميم ما هدمته لحظة استعجال. لقد أصبح التسرع فضيلة زائفة بينما صار التروي وكأنه ضعف مع أن أعظم العقول في التاريخ كانت أكثرها تمهلا في النطق وأكثرها حرصا على وزن العبارات قبل إطلاقها.
والإنسان النبيل لا يجعل غايته أن يكسب جدالا أو يهزم خصما أو ينتصر لرأيه بأي ثمن بل يجعل غايته أن يصل إلى الحقيقة دون أن يخسر إنسانا وأن يبلغ الفكرة دون أن يكسر قلبا وأن يصحح الخطأ دون أن يهين صاحبه. فهو يعلم أن البلاغة الحقيقية ليست في قسوة العبارة وإنما في قدرتها على إيصال الحق بأدب وأن الحكمة ليست في كثرة الكلام وإنما في حسن اختياره.
ولذلك كانت أعظم الرسالات الإلهية تبدأ بالكلمة وتقوم على الكلمة وتغير العالم بالكلمة. وما كان الأنبياء والمصلحون والعظماء يصنعون أثرهم بقوة الصوت وإنما بصدق المعنى ونبل المقصد وحكمة التعبير. فالكلمة الصادقة قد توقظ أمة والكلمة الظالمة قد تشعل فتنة والكلمة الطيبة قد تكون صدقة جارية يبقى أثرها بعد رحيل قائلها بسنوات طويلة.
إن اللغة ليست أصواتا تتناثر في الهواء بل هي الوعاء الذي تحفظ فيه الحضارات أخلاقها وذاكرتها وهويتها. وإذا فسدت اللغة في ضمائر الناس فسدت معها طريقة التفكير وضعفت القدرة على الحوار وضاع الاحترام بين المختلفين. ولذلك فإن حماية الكلمة ليست مهمة الأدباء وحدهم بل هي مسؤولية كل إنسان يدرك أن بناء المجتمعات يبدأ من بناء الخطاب وأن إصلاح النفوس يبدأ من إصلاح الألسنة.
ومن أجمل ما يتحلى به الإنسان أن يكون رحيما في منطقه كما هو رحيم في أفعاله وأن يجعل من لسانه موطنا للعدل ومن كلماته مأوى للأمل ومن حديثه جسرا تعبر عليه القلوب نحو الطمأنينة لا ساحة تعبر منها الخصومات نحو الاتساع. فليس كل ما يعرف يقال وليس كل ما يقال يقال في كل وقت وليس كل حق يبلغ بغير حكمة. ولعل من تمام العقل أن يعرف المرء متى يتكلم كما يعرف متى يصمت لأن الصمت أحيانا أبلغ من خطبة طويلة والكلمة في موضعها قد تساوي أعمارا من الإصلاح.
ولهذا فإن الذين يراجعون كلماتهم قبل أن ينطقوا بها ليسوا أسرى للقلق كما يظن الناس بل هم فرسان الحكمة وحراس المعاني وأمناء المشاعر. يحملون على عاتقهم مهمة نبيلة في عالم ازدحم بالأصوات حتى كاد يفقد القدرة على الإصغاء. يؤمنون أن الكلمة ليست شيئا يقال ثم ينتهي بل بذرة تغرس في النفوس فإما أن تنبت شجرة وارفة من المحبة والوعي والسلام وإما أن تتحول إلى شوك يؤذي كل من يمر به.
ولعل أعظم الحكمة ليست أن تمتلك ثروة من الكلمات بل أن تمتلك ضميرا يختار منها ما يليق بالمقام والإنسان. فالكلمة حين تغادر الشفاه لا تعود أبدا وإنما تمضي لتكتب تاريخا جديدا في قلب من سمعها. لذلك يظل العقلاء يعيدون ترتيب أفكارهم مرة بعد مرة لا خوفا من الحديث ولكن احتراما للحقيقة ورحمة بالناس وإجلالا للكلمة التي جعلها الله مفتاحا للهداية وسببا للعمران وميزانا للأخلاق. وفي زمن يعلو فيه الضجيج يبقى هؤلاء هم آخر الحراس الواقفين على أبواب المعنى يحرسون نقاء اللغة حتى لا تضيع الحقيقة بين صخب الأصوات ولا تنكسر القلوب تحت أنقاض الكلمات.