هيبة الدولة تبدأ من امن المواطن.. الدبة نموذجا

ابراهيم سالكا يكتب
ليست القضية في عدد الساعات التي استمرت فيها الاحداث ولا في كثافة اطلاق النار وحدها بل في الرسالة الخطيرة التي وصلت الى كل مواطن وهو يرى مدينته تعيش حالة من الفوضى والعجز والارتباك دون ان يجد تفسيرا مقنعا او موقفا حاسما يعيد اليه الثقة في ان هناك دولة تحميه ومؤسسات قادرة على القيام بواجبها
لقد ظلت الدبة طوال تاريخها مدينة للتجارة والعبور والتسامح والتعايش بين مختلف المكونات الاجتماعية ولم تعرف يوما انها مدينة تعيش على وقع السلاح او تخاف من مرور ابنائها في اسواقها وشوارعها ولكن ما يحدث اليوم ينذر بتحول خطير اذا لم يتم تداركه بالحكمة والحزم والشفافية
ان المواطن لا يطلب المستحيل ولا يبحث عن صناعة الازمات ولكنه يريد ان يعرف الحقيقة كاملة ويريد ان يرى اجراءات حقيقية تمنع تكرار مثل هذه الاحداث لان البيانات التي تكتفي بالعبارات العامة لا تطفئ نار القلق ولا تعالج جذور المشكلة خاصة عندما تكون الوقائع قد شاهدها المئات ووثقتها الصور والمقاطع المتداولة
ان الاعتراف بالمشكلة هو بداية الحل اما انكارها او التقليل من شأنها فهو يمنحها فرصة للنمو والتكرار ويضعف ثقة الناس في مؤسساتهم ويجعل الشائعات تسبق الحقائق وتصبح المصدر الوحيد للمعلومات
ان استمرار وجود السلاح داخل المدن وبين المدنيين يمثل خطرا حقيقيا على حياة الابرياء ولا يمكن القبول بان تصبح الاسواق والاحياء اماكن يحتمل فيها وقوع اشتباكات في اي لحظة فالمدينة ليست ميدانا للعمليات العسكرية وانما هي موطن لنساء واطفال وشيوخ وتجار وطلاب يبحثون عن حياة آمنة ومستقرة
ان المطلوب اليوم ليس تبادل الاتهامات ولا البحث عن مبررات وانما مراجعة شاملة للواقع الامني واعادة تنظيم كل القوات المسلحة الموجودة داخل المدينة واخراج اي تشكيلات مسلحة الى معسكرات بعيدة عن الاحياء السكنية مع فرض سيادة القانون على الجميع دون استثناء وجمع السلاح غير المقنن ومنع حمله داخل الاسواق والاماكن العامة
كما ان من حق المواطنين ان يعرفوا نتائج التحقيق وان تتم محاسبة كل من تسبب في تعريض ارواح الناس للخطر فالعدالة ليست انتقاما ولكنها ضمانة لعدم تكرار الاخطاء وحماية للمجتمع من الانزلاق نحو الفوضى
الدبة ليست مدينة هامشية حتى يتم التعامل مع امنها بهذا القدر من الاستخفاف فهي تمثل بوابة مهمة للشمال السوداني وتعد مركزا اقتصاديا يخدم آلاف المواطنين واستقرارها ينعكس على المنطقة كلها واضطرابها ينعكس على الجميع
ان صمت المسؤولين او الاكتفاء ببيانات لا تجيب عن الاسئلة الكبرى لا يصنع استقرارا بل يزيد الاحتقان ويعمق فجوة الثقة بين المواطن والسلطة والمسؤولية الوطنية تقتضي المكاشفة والصدق واتخاذ قرارات شجاعة تعيد للدولة هيبتها وللقانون سلطانه
ستظل الدبة قوية بأهلها وستبقى عصية على الفوضى ولكن ذلك يتطلب ارادة سياسية وامنية صادقة تضع حياة الانسان فوق كل اعتبار وتجعل امن المواطن خطا احمر لا يسمح بتجاوزه فالاوطان لا تبنى بالخطب ولا بالبيانات بل تبنى بسيادة القانون والعدل وحماية الارواح وصيانة كرامة الناس ومن حق كل مواطن في الدبة ان يخرج من منزله ويعود اليه وهو مطمئن لا يخشى رصاصة طائشة ولا مواجهة مسلحة ولا يوما تتحول فيه مدينته الى ساحة مفتوحة للفوضى والاقتتال.