من المذنب عيديد أم من سوّدنه؟!
زين العابدين الطيب عثمان يكتب ..
كنا نأمل منذ سنوات وقلناها بصوت عالٍ إن من أهم مهام الإصلاح الوطني مراجعة الوثائق السودانية والسجل المدني مراجعة شاملة ودقيقة لأن الشعب السوداني يعلم حجم العبث الذي طال مؤسسات الدولة خلال سنوات حكم الإنقاذ حيث مُنحت الجنسية والوثائق السودانية لأعداد كبيرة من غير المستحقين لها وفق القانون.
واليوم يجب أن نبدأ بتصحيح الصورة أمام المجتمع الدولي ثم نكشف للرأي العام العالمي حجم الضرر الذي لحق بالسودان نتيجة هذه الممارسات التي أساءت إلى سمعته التاريخية المرتبطة بالتسامح والتعايش والمحبة والسلام.
إن قضية عيديد ليست قضية شخص واحد بقدر ما هي قضية منظومة كاملة سمحت بالتلاعب في الهوية الوطنية وفتحت أبواب التجنيس والوثائق أمام غير المستحقين. فالمشكلة الحقيقية لا تكمن في الشخص الذي حصل على الوثيقة وإنما في الجهات والأفراد الذين مكنوه من الحصول عليها وفي الشبكات التي استباحت مؤسسات الدولة وحولت بعض وثائقها إلى أدوات لخدمة المصالح السياسية أو التجارية أو الشخصية.
لقد ظل كثير من السودانيين يحذرون من مخاطر العبث بالسجل المدني لأن ذلك لا يهدد نزاهة مؤسسات الدولة فحسب بل يهدد الأمن القومي والسيادة الوطنية ومستقبل الأجيال القادمة. ولذلك فإن الواجب اليوم يقتضي فتح مراجعة مستقلة وشفافة لكل ملفات التجنيس والوثائق التي أثيرت حولها الشبهات مع إخضاعها لرقابة قانونية وفنية ومهنية تضمن العدالة وتحفظ الحقوق وتكشف الحقائق للرأي العام.
ومن القضايا التي تستوجب التحقيق والتدقيق ما أثير حول طالب اللجوء المعروف باسم هادي العضيد والذي ورد اسمه في بعض الوثائق بصيغة مختلفة هي “عيديد” مع تقديمه نفسه بوصفه سوداني الجنسية في بلفاست بأيرلندا الشمالية. ومهما كانت حقيقة هذه الوقائع فإنها تؤكد الحاجة إلى التحقق الدقيق من البيانات والجنسيات بما يحفظ مصداقية الوثيقة السودانية وحقوق المواطنين.
وفي الوقت نفسه فإن سياسة العزل والشخصنة ومعاداة المؤسسات الوطنية العاملة في مجال حقوق الإنسان ومناهضة التعذيب ودعم اللاجئين والنازحين والمؤسسات الحريصة على التحول الديمقراطي أضرت كثيراً بأولويات النقاش العام. فقد أدى الانشغال بالصراعات الجانبية والخلافات السياسية وشخصنة وأدلجة منظمات المجتمع المدني إلى تراجع الاهتمام بقضايا أكثر إلحاحاً وخطورة.
ومن المؤسف أن قضية النازحين واللاجئين السودانيين الحقيقيين لم تحظ بالاهتمام الذي تستحقه رغم أنها تمثل واحدة من أكبر المآسي الإنسانية في تاريخ السودان الحديث. ويبرز ذلك بوضوح في أوضاع اللاجئين السودانيين في ليبيا الذين يواجهون تهديدات مباشرة وخطاب كراهية وتحريضاً علنياً ومخاطر حقيقية على حياتهم وسلامتهم.
وعلى الرغم من أن بعض المداولات واللقاءات السياسية تناولت قضايا متعددة ومهمة فإنها ظلت أقل إلحاحاً من قضية حماية النازحين واللاجئين السودانيين المعرضين للخطر. ومن المؤسف أن هذه القضية لم تنل المكانة التي تستحقها في كثير من التوصيات والبيانات الختامية رغم أنها تمس حياة آلاف السودانيين وحقهم في الأمن والحماية والكرامة الإنسانية.
إن أي حوار وطني جاد وأي مشروع لبناء دولة القانون يجب أن يضع حماية النازحين واللاجئين في مقدمة أولوياته تماماً كما يضع حماية الهوية الوطنية ضمن أولويات الإصلاح الوطني لأن كليهما يرتبط بحقوق الإنسان ومستقبل السودان واستقراره.
إن السؤال الذي ينبغي أن يشغل السودانيين ليس من هو عيديد فقط وإنما من الذي فتح الأبواب أمام هذه التجاوزات ومن الذي سمح بتحويل الوثيقة السودانية إلى سلعة ومن الذي سيحاسب المسؤولين عن ذلك.
فالمذنب الحقيقي ليس من استفاد من الخلل وحده وإنما كل من صنع هذا الخلل أو تستر عليه أو سمح باستمراره أو استفاد من نتائجه على حساب الوطن
