لماذا لا تكون هناك نقابة فرعية لأغنية الطمبور؟!

ابراهيم سالكا يكتب ..
في ظل الظواهر السالبة التي بدأت تلازم بعض حفلات الطمبور ووصلت إلى مرحلة يصعب التغاضي عنها أو الصبر عليها يبرز سؤال مشروع ومهم: لماذا لا تكون هناك نقابة فرعية أو جسم مهني متخصص يعنى بأغنية الطمبور ويحافظ على أصالتها ويصون موروثها؟
فهذا الفن الراقي ظل لعقود طويلة رمزا للحنين والأصالة والغزل الشفيف والمتعة الراقية. تناقلته الأجيال جيلا بعد جيل محافظا على تفاصيله الدقيقة من إيقاعه المميز والكورس والطبل في حالة من الانسجام البديع وكأنه عقد من الماس انتظمت حباته في تناسق نادر. كما حمل رايته فنانون من العيار الثقيل وشعراء صاغوا كلمات احترمت قيم المجتمع وتقاليده وموروثاته ولم تحمل ما يجرح الذوق العام أو يسيء إلى البيئة التي خرجت منها.
وكان جمهور الطمبور نموذجا للرقي والتذوق الفني الرفيع حيث كانت الحفلات تمضي في أجواء من الاحترام والجمال وتجد الفتيات مساحة للتعبير عن تفاعلهن مع الأغنية واللحن من خلال الرقص المحتشم الذي يعكس الانسجام مع الفن لا أكثر. وبهذه الصورة المشرقة استطاعت أغنية الطمبور أن تعبر حدود المحلية وتلفت الأنظار إلى هذا الإرث الفني الفريد.
غير أن السنوات الأخيرة شهدت ممارسات لا تشبه هذا التاريخ ولا تعبر عن قيم المجتمع الذي أنجب هذا الفن. فقد اختلط الحابل بالنابل وبرزت أنماط من الرقص الرجالي لم تكن مألوفة بهذا الشكل من قبل بينما تراجعت النساء إلى الصفوف الخلفية ثم غبن عن كثير من المشاهد التي كانت تمثل جزءا أصيلا من صورة الحفل.
صحيح أن بعض هذه المظاهر كانت موجودة في حدود ضيقة وعلى سبيل الفكاهة أو الاستعراض المسرحي المقبول لكنها مع مرور الوقت تجاوزت حدودها الطبيعية حتى انفرط العقد وأصبح المشهد في بعض الأحيان غريبا عن روح الطمبور. وتحولت بعض الحركات إلى استعراضات بهلوانية أقرب إلى الطقوس الغريبة منها إلى التفاعل الفني المتزن وسط فوضى لم يسلم منها حتى أفراد الكورس الذين أصبح بعضهم جزءا من هذه المشاهد بدلا من أن يكونوا ركنا أساسيا في المحافظة على هيبة الأداء وجماله. بل إن الأمر يصل أحيانا إلى مشاهد تضع الفنان نفسه في مواقف لا تليق بمكانته ولا بتاريخ هذا الفن العريق.
إن أغنية الطمبور ليست مجرد لون غنائي عابر بل هي جزء من هوية منطقة منحنى النيل وذاكرتها الثقافية والاجتماعية. وهي موروث يستحق الرعاية والحماية والتوثيق حتى يصل إلى الأجيال القادمة سليما غير مشوه. ومن هنا تأتي أهمية وجود جهة رقابية أو جسم مهني متخصص يعمل على تنظيم الحفلات ووضع ضوابط تحافظ على الذوق العام وتعيد الاعتبار إلى جوهر الأغنية بدلا من الانشغال بالمظاهر المصاحبة لها.
ويمكن أن يكون هذا الجسم فرعية تابعة لـ نقابة المهن الموسيقية تمتلك اللوائح والأدوات اللازمة لمتابعة النشاط الفني المرتبط بالطمبور وتشجيع النماذج المضيئة ومعالجة الممارسات التي تسيء إلى هذا الإرث العظيم.
فالطمبور آلة استثنائية عالية التطريب وفن راسخ في وجدان الناس ولا يليق به أن يصبح ساحة للفوضى أو المبالغات التي تطمس ملامحه الحقيقية. إن الحفاظ عليه مسؤولية جماعية تبدأ من الفنان والشاعر والكورس والجمهور ولا تنتهي عند المؤسسات الثقافية والمهنية. وما لم يتم تدارك هذه الظواهر فإن الخاسر الأكبر لن يكون فنانا أو حفلا بعينه وإنما سيكون هذا الموروث الجميل الذي ظل لعقود طويلة عنوانا للأصالة والجمال.