
عيد بلا خراف.. الحرب تذبح فرحة السودانيين
في سوق المويلح غربي مدينة أم درمان، يقف عبدالله بخيت أمام عشرات الخراف المكدسة داخل الحظائر، يتفحصها بصمت طويل قبل أن يغادر من دون شراء شيء.
الرجل الذي اعتاد منذ سنوات اصطحاب أطفاله لاختيار “خروف العيد”، بات هذا العام يكتفي بجولة حزينة في السوق، فبخيت العائد إلى منزلة بعد ثلاث سنوات من النزوح تفاجئ بتجاوز سعر الأضحية راتبه الشهري بأضعاف.
يقول بخيت لـ«الغد السوداني» إن الحرب لم تسرق المنازل والأمان فقط، بل سرقت أيضاً “فرحة العيد”، مضيفاً: “كنا نعتبر الأضحية جزءاً من كرامة الأسرة السودانية، أما اليوم فأصبحت حلماً بعيداً حتى للموظفين”.
ومع دخول الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع عامها الرابع، تعيش الأسواق السودانية موسماً استثنائياً من الركود والقلق، رغم أن البلاد تعد واحدة من أكبر الدول الأفريقية والعربية امتلاكاً للثروة الحيوانية، بأكثر من 103 ملايين رأس ماشية.
لكن المفارقة القاسية أن وفرة الماشية لم تمنع انفجار الأسعار، في وقت يواجه فيه ملايين السودانيين النزوح وفقدان مصادر الدخل والانهيار المتواصل في الخدمات الأساسية.
أضحية بأكثر من راتب
في الخرطوم وبورتسودان، تراوحت أسعار الخراف هذا الموسم بين 850 ألف جنيه ومليون و500 ألف جنيه، بينما تجاوزت بعض السلالات المميزة حاجز المليوني جنيه، خصوصاً سلالة “الحمري” المعروفة بجودة لحومها وارتفاع الطلب عليها.
أما في سوق المناقل بولاية الجزيرة، فقد وصلت بعض الخراف الكبيرة إلى مليون و800 ألف جنيه، في ما وصفه مواطنون بأنه “أغلى موسم أضاحٍ في تاريخ السودان”.
ويقول تجار مواشٍ إن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بالحرب، بل بسلسلة طويلة من التعقيدات الاقتصادية والأمنية، تبدأ من ارتفاع الوقود ولا تنتهي عند إغلاق الطرق وارتفاع أسعار الأعلاف.
ويؤكد عدد من التجار أن نقل الماشية من مناطق الإنتاج في دارفور وكردفان إلى ولايات الوسط والشمال أصبح محفوفاً بالمخاطر الأمنية، ما أدى إلى زيادة كبيرة في تكلفة الترحيل.
أحد التجار في سوق أم درمان قال إن “الخروف الذي كان يصل قبل الحرب خلال يومين، قد يحتاج الآن إلى أكثر من أسبوع بسبب الحواجز الأمنية وإغلاق الطرق والرسوم غير الرسمية”.
دارفور.. وفرة في الإنتاج وفقر في المشترين
وعلى النقيض من أسواق العاصمة، تبدو الصورة مختلفة داخل مدن دارفور، حيث تشهد الأسواق وفرة كبيرة في الأضاحي وانخفاضاً نسبياً في الأسعار.
في مدينة نيالا بجنوب دارفور، تتراوح أسعار الخراف بين 150 ألفاً و400 ألف جنيه، بحسب الحجم والسلالة، وسط حركة نشطة في الأسواق مع اقتراب عيد الأضحى.
ويقول التاجر آدم هارون إن الأسواق ممتلئة بالأضاحي القادمة من مختلف مناطق الإنتاج، موضحاً أن “المشكلة ليست في توفر الخراف، بل في ضعف القدرة الشرائية للمواطنين”.
أما يوسف النعيم، وهو تاجر يورد الماشية إلى جنوب نيالا، فيشير إلى أن الوفرة الحالية لم تنعكس على الأرباح كما كان متوقعاً، لأن “غالبية الأسر فقدت مصادر دخلها بسبب الحرب”.
ويضيف: “هناك ناس يأتون للسوق فقط للمشاهدة والسؤال عن الأسعار ثم يغادرون”.
وفي الضعين بشرق دارفور، تراوحت الأسعار بين 150 ألفاً و550 ألف جنيه، بحسب الجودة والحجم، وسط محاولات من التجار لتوفير خيارات تناسب مختلف الشرائح.
لكن حتى في مناطق الإنتاج، لا تخفي الأسواق حجم الأزمة الإنسانية التي تعيشها البلاد.
النازحون خارج فرحة العيد
داخل مراكز الإيواء في دارفور والجزيرة والقضارف، تبدو الأضحية بالنسبة إلى آلاف الأسر النازحة ترفاً بعيد المنال. وتقول يسرية الفاضل، وهي ربة منزل نزحت من الخرطوم إلى ولاية الجزيرة، إن الحرب “حرمت الأطفال من أبسط طقوس العيد”.
وتضيف: “كنا نجتمع كأسرة كبيرة في العيد، نتبادل اللحوم ونشوي في الحي ونزور الجيران، أما الآن فمعظم الناس بالكاد تجد ما تأكله”.
وتشير تقديرات منظمات إنسانية إلى أن ملايين السودانيين باتوا يعتمدون على المساعدات الغذائية، في وقت تواجه فيه البلاد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.
وفي ظل هذا الواقع، دعا تجار في دارفور المنظمات الإنسانية والخيرين إلى شراء الأضاحي وتوزيعها على الأسر النازحة، باعتبار أن ذلك قد يخفف العبء عن المتضررين ويدعم الأسواق المحلية في الوقت ذاته.
اقتصاد الحرب يلتهم الأسواق
ويرى الخبير في تجارة الثروة الحيوانية د. أسامة النور أن الحرب أصبحت العامل الرئيسي في تحديد أسعار الأضاحي داخل السودان. ويقول إن الفجوة بين مناطق الإنتاج ومناطق الاستهلاك اتسعت بصورة غير مسبوقة، إذ لا يتجاوز سعر الخروف في بعض مناطق دارفور 450 ألف جنيه، بينما يبدأ في الخرطوم من مليون جنيه وقد يصل إلى أكثر من مليوني جنيه.
ويعزو ذلك إلى ارتفاع تكاليف الوقود والنقل، وإغلاق الطرق، إضافة إلى التأثيرات الإقليمية المرتبطة بالتجارة والممرات البحرية. ويضيف أن ضعف القوة الشرائية أدى أيضاً إلى تراجع الأسعار نسبياً داخل مناطق الإنتاج، لأن “المعروض كبير لكن المشترين أقل”.
ويحذر النور من أن استمرار الحرب يهدد قطاع الثروة الحيوانية نفسه، الذي يمثل أحد أهم أعمدة الاقتصاد السوداني، داعياً إلى فتح أسواق تصدير جديدة في دول الجوار لإنقاذ المنتجين والتجار.
عيد تحت ظلال الحرب
ورغم المشهد القاتم، لا يزال كثير من السودانيين يتمسكون بفكرة الأضحية باعتبارها أكثر من مجرد شعيرة دينية.
ففي الأحياء الشعبية، ارتبط العيد لعقود طويلة بطقوس اجتماعية متوارثة؛ من تبادل اللحوم بين الجيران إلى تجمعات الشواء وإفطار العيد الجماعي. لكن الحرب التي مزقت المدن والقرى وأجبرت ملايين السودانيين على النزوح، تبدو اليوم وكأنها تعيد تشكيل معنى العيد نفسه.
وفيما تمتلئ الأسواق بالخراف، تبقى القدرة على الشراء هي الأزمة الحقيقية.
أزمة تختصر كيف تحولت الأضحية، في بلد يملك واحدة من أكبر الثروات الحيوانية في المنطقة، من عادة شعبية راسخة إلى عبء ثقيل في زمن الحرب.
