الحرب خطوة على طريق وعي السودان بمقامه؟

الجميل الفاضل يكتب:

ليست مأساة الأمم الكبرى في أن تقلّ مواردها، أو تضيق عليها الأرض بما رحبت؛ فكم من بلادٍ فقيرةٍ أنجبت تاريخاً، وكم من أوطانٍ أغرقتها الثروات حتى غرقت هي نفسها معها.

فالمأساة الحقيقية تبدأ يوم تنسى الشعوب مقامها، وتغفل عن السر الذي أودعه الله في إنسانها قبل أن يودعه في ترابها.

فالوجود كله ليس سوى مراتب من المعنى؛ وبالطبع ليس في الكون شيءٌ عظيمٌ بذاته، وإنما تعظم الأشياء بقدر الرسالة التي تحمّلها، وبقدر الوعي الذي يبلغه من يؤديها.

ولهذا لم يكن أهل المعرفة يقيسون الأشياء بأحجامها، وإنما بمقاماتها؛ وقد قالوا قديماً: «حسنات الأبرار سيئات المقربين»، لأن القرب يبدّل ميزان التكليف، إذ كلما ارتفع المقام اشتد الحساب، وضاقت مساحة الأعذار.

وهذا الذي يصدق على الإنسان، يصدق كذلك على الأوطان.

فالدول ليست مجرد خرائط مرسومة بالحبر، إنما هي كائناتٌ لها روح، ولها رسالة، ولها نصيب من هذه الأمانة. وما يجوز لبلدٍ صغير الأثر، قد يصبح خطيئةً تاريخية إذا صدر من شعوب وُلدت لتقود، لا لتتبع؛ ولتجمع، لا لتفرق.

ولعل أجمل ما قيل في هذا الباب قول العارفين:

«إذا أردت أن تعرف عند الله مقامك، فانظر فيما أقامك.»

لعلها حكمة تصلح كذلك لقياس مقامات الأمم.

فليس من قبيل المصادفة أن يُقام السودان في هذا الموضع الجغرافي الفريد؛ عند نقطة التقاء العرب بالزنج، وآسيا بأفريقيا، والنهر بالبحر، والغابة بالصحراء، والمشرق بعمق القارة، والإسلام بإرث الأديان والحضارات الأولى.

ذلك أن الجغرافيا ليست عنواناً للمكان فحسب، وإنما هي لغةٌ خفية يكتب بها التاريخ تكاليف الأمم.

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل حديث عن الاقتصاد والسياسة هو:

في أي مقام رفيع أُقيم هذا السودان؟

وما الفراغ الذي يتركه في ميزان الإقليم إذا غاب عن أداء رسالته؟

وما المعنى الذي يختل إذا تدحرج من مقامه هذا إلى أدني هامشه؟

لقد عاش السودان دهوراً طويلة وهو يتأرجح بين حكمتين.

الأولى تقول:

«رحم الله امرأً عرف قدر نفسه.»

غير أن هذه الحكمة النبيلة فُهمت، في الوعي السياسي السوداني، على غير مرادها؛ فتحول التواضع إلى انكماش، والزهد إلى عزوف عن الفعل، والسكينة إلى استرخاء استراتيجي، حتى بدا وكأن قبول أهل السودان بدون المقام قد صار عندهم فضيلة.

بينما كانت الحكمة الثانية تصرخ في الضفة الأخرى:

ولم أر في عيوب الناس شيئاًكنقص القادرين على التمام.

وهنا تكمن المفارقة كلها.

فالسودان لم يكن يوماً فقيراً في الإمكان حتى يُعذر، ولا صغيراً في المقام حتى يرضى بالظل.

بل كان – على امتداد تاريخه – واحداً من أكثر البلاد وفرةً في كل شيء؛ في الموقع، وفي الماء، وفي الأرض، وفي النفط والمعادن، وفي الإنسان الفريد، وفي المخزون الحضاري التليد، وفي الرصيد الروحي الهائل.

غير أن وفرة هذا الإمكان قد جاورت طويلاً فقر مشروعه الوطني أو حتي غيابه بالكامل.

فأديرت البلاد بعقلية اليوم الواحد، وغُلّبت غنيمة السلطة على رسالة الدولة، وانشغلت النخب بإدارة الأزمات، بدلاً من إدارة التنوع.

علي أية حال، فإن بناء الدولة ليس مجرد جمعٍ للموارد، بل هو نسجٌ دقيق بين ستة أنهارٍ خفية؛ يلتقي فيها المكان بالزمان، والإنسان بالمعنى، والروح بالثروة، والذاكرة بالمستقبل، والهوية بالرسالة، والسيادة بالأخلاق.

فالثروة لا تصبح نعمة إلا إذا وقعت في يد أمة تعرف لماذا وُهبت لها.

أما إذا فقدت الأمة مشروعها، تحولت الثروة إلى لعنة، وأصبح الذهب عبئاً، والنفط فتنة، والأرض الواسعة مسرحاً للصراعات الصغيرة.

ومن هنا فإن ما يجري في السودان اليوم، على فداحة الدم الذي سال، ليس مجرد حرب على الأرض.

إنما هو، في جوهره الأبعد، مخاض وعي.

كأن التاريخ كله يعيد سؤال هذا البلد عن نفسه: من أنت؟ ولأي معنى أُقمت؟ وما الذي ينبغي أن تبقى عليه بعد أن يسقط عنك كل شيء؟

ولعل النار التي أكلت هنا حتي الحجر، إنما جاءت لتكشف له معدنه الحقيقي.

ولعل هذه الحرب لم تُسقط السودان من عليائه الزائف، بل قد أسقطت بالفعل الصورة المتوهمة التي اعتاد السودان أن يرى نفسه فيها.

إذ فيما تتداعى الهياكل، وتنهار الأبنية، وتذوب الشعارات؛ ثمة شيء آخر يولد في صمت، أشد رسوخاً من الخرسانة، وأبقى من السلطة.

إنه السودان الجوهري، السودان الذي يسكن ضمير أهله قبل أن تسكنه مؤسساتهم.

المهم من رحم هذا الألم أخذت تتشكل، لأول مرة منذ عقود، ملامح وعي جديد.

وعيٌ يتخفف من أوهام الخلاص المستورد، ويعيد اكتشاف أن الشعوب لا تستعير نهضتها من نماذج الآخرين.

وعيٌ يعيد للسيادة معناها، فلا يراها شعاراً سياسياً، إنما حالةً أخلاقية تبدأ من احترام الأرض والإنسان والقرار.

وعيٌ يكسر حدود المركز الضيقة، ويجعل السوداني يكتشف وطنه كما لو أنه يراه للمرة الأولى؛ يكتشف غربه في شرقه، وشماله في جنوبه، وأهله في كل بقعةٍ من ترابه كشركاء أصلاء، لا كدخلاء غرباء.

فقد عبرت عن ذلك شبكات التكافل الشعبي، في البيوت التي فتحت أبوابها للنازحين، وفي الأرغفة التي اقتسمها الفقراء مع من هم أشد فقراً، ليظهر وجه السودان الذي لم تستطع الحرب أن تهزمه.

هناك تصرف المواطن البسيط بمقام الملك، لا لأنه يملك، لكن لأنه يعطي.

فالأمم لا تموت حين تهدم الحروب عمرانها، لكنها تموت فقط حين تنسى لماذا قامت.

ولهذا فإن السودان، مهما اشتدت عليه المحنة، لا يبدو اليوم بلداً يحتضر، بقدر ما يبدو أمةً تُعاد كتابتها من جديد؛ حرفاً حرفاً، وجرحاً جرحاً، حتى تسترد اسمها وعمقها الحقيقي.

المهم لقد انتهى زمن الترقيع، وانقضى عهد الأعذار.

ولم يعد يليق ببلدٍ بهذا المقام أن يعيش دون قامته، أو أن يقبل لنفسه دور المتفرج في تاريخٍ صُنع ليكون هو أحد صُنّاعه.

والي أن يكتشف السودانيون جميعاً، نخبةً وشعباً، أن بلادهم ليست مجرد مساحة على الخريطة، بل ضرورة في ميزان الحضارة، وأن غيابها يخلخل توازن الإقليم كما يختل الجسد إذا غاب عنه القلب؛ عندها فقط سيدركون أن هذه الحرب، على قسوتها، لم تكن نهاية التاريخ.

إنما كانت هي نقرة صغيرة على باب السر.

وإنها كانت بداية الطريق إلى الوعي بمقامها.

لأقول في الختام: ألا ما أعظم الأمم حين تتذكر، بعد طول غياب، لماذا أقامها الله في مثل هذا الموضع من الجغرافيا، وفي مثل ذلك المقام من التاريخ.