
التضخم يقفز في السودان إلى 45.84%.. ومخاوف من “صدمة معيشية” مع خطة لإحالة 57 ألف موظف للمعاش المبكر
الخرطوم، الغد السوداني – أعلن الجهاز المركزي للإحصاء في السودان، الاثنين، ارتفاع معدل التضخم السنوي إلى 45.84% خلال أبريل 2026، في مؤشر جديد على استمرار الضغوط الاقتصادية والمعيشية التي تواجه البلاد بالتزامن مع الحرب والانكماش الحاد في النشاط الاقتصادي.
وقال الجهاز، في بيان، إن معدل التضخم ارتفع مقارنة بمستواه في أبريل من العام الماضي، بينما زاد بنحو خمسة بالمائة مقارنة بشهر مارس الماضي، مدفوعاً بارتفاع أسعار السلع والخدمات الأساسية وتراجع قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية.
ويُقاس التضخم عبر التغير في المستوى العام للأسعار مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، ويعد أحد أبرز المؤشرات على تآكل القوة الشرائية للأسر السودانية.
ورغم أن المعدل الحالي لا يزال أقل بكثير من الذروة التاريخية التي سجلها السودان في يوليو 2021 عندما تجاوز التضخم 422%، إلا أن خبراء اقتصاديين يرون أن وتيرة الغلاء الحالية تعكس هشاشة الاقتصاد السوداني واستمرار اختلالات السوق والإنتاج.
وأوضح الجهاز المركزي للإحصاء أن معدل التضخم في المناطق الحضرية ارتفع إلى 49.70% خلال أبريل مقارنة بـ41.33% في مارس، بينما بلغ في المناطق الريفية 43.62% مقابل 39.53% في الشهر السابق.
وأشار إلى أن بيانات الأسعار جُمعت ميدانياً من 16 ولاية، فيما جرى تقدير أسعار ولايتي شمال ووسط دارفور بسبب تعذر الوصول إليهما نتيجة التدهور الأمني المرتبط بالحرب المستمرة منذ أبريل 2023.
ويعتمد السودان في قياس التضخم على سلة تضم 663 سلعة وخدمة موزعة على 12 مجموعة استهلاكية، تتصدرها الأغذية والمشروبات التي تستحوذ وحدها على أكثر من نصف إنفاق الأسر السودانية بنسبة 52.89%.
كما تمثل مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود نحو 14.17% من الإنفاق، بينما تستحوذ مجموعة النقل على 8.34%، ما يعكس حجم الضغوط التي تواجه المواطنين في تكاليف المعيشة اليومية.
وبحسب التقرير، انخفض معدل التضخم في خمس ولايات من أصل 18 ولاية، حيث سجلت شمال دارفور أكبر تراجع بنسبة 16.17%، تلتها وسط دارفور بنسبة 4.89%.
في المقابل، ارتفعت معدلات التضخم في 11 ولاية، وجاءت ولاية النيل الأبيض في الصدارة بنسبة 29.62%، تليها القضارف بنسبة 20.04%، فيما سجلت بقية الولايات زيادات متفاوتة.
ويأتي هذا التطور الاقتصادي بالتزامن مع توصيات حكومية مثيرة للجدل تقضي بإحالة أكثر من 57 ألف موظف حكومي إلى المعاش المبكر، ضمن خطة لإعادة هيكلة الخدمة المدنية وتقليص الإنفاق العام.
وكشفت اللجنة الفنية لدراسة العاملين بالحكومة الاتحادية عن توصيتها بخفض نحو 60% من العاملين، عبر إحالة 25% إلى المعاش المبكر وإلغاء 35% من الوظائف، في خطوة قالت إنها تستهدف تقليل “الترهل الوظيفي” وتحسين كفاءة الأداء الحكومي.
وبحسب التقرير، فإن تكلفة الامتيازات المالية المقترحة للمعاش المبكر تجاوزت 345 مليار جنيه سوداني، مع منح الموظفين المحالين مزايا تشمل صرف رواتب تصل إلى خمس سنوات لبعض الفئات العمرية.
ويرى خبراء اقتصاديون أن هذه الخطوة قد تحمل آثاراً مزدوجة على الاقتصاد السوداني، إذ يمكن أن تؤدي على المدى القصير إلى زيادة التضخم بسبب ضخ سيولة نقدية كبيرة في السوق، خاصة إذا جرى تمويلها عبر الاستدانة أو التوسع في طباعة العملة.
ويحذر اقتصاديون من أن ارتفاع السيولة النقدية، بالتزامن مع ضعف الإنتاج وشح السلع، قد يؤدي إلى مزيد من الضغوط على أسعار الغذاء والدواء والخدمات، فضلاً عن تدهور إضافي في سعر صرف الجنيه.
وفي المقابل، تقول الحكومة إن خفض فاتورة الأجور وتقليص الإنفاق العام قد يساعدان مستقبلاً في تخفيف العجز المالي وكبح التضخم، إذا ترافق ذلك مع إصلاحات اقتصادية شاملة واستقرار سياسي.
لكن مراقبين يرون أن نجاح هذه السياسات يظل رهيناً بوقف الحرب واستعادة النشاط الإنتاجي والاستثماري، في وقت يعاني فيه السودان من تراجع الإيرادات العامة وتدمير واسع للبنية التحتية والقطاعات الاقتصادية.
كما يتوقع خبراء أن يؤدي تسريح عشرات الآلاف من الموظفين إلى ارتفاع معدلات البطالة والفقر، خصوصاً في ظل محدودية فرص العمل البديلة وانكماش القطاع الخاص.
ويقول محللون إن كثيراً من العاملين المتوقع إحالتهم إلى المعاش المبكر، خاصة من تجاوزوا سن الخمسين، قد يواجهون صعوبة في الاندماج مجدداً في سوق العمل، ما قد يدفع أعداداً متزايدة نحو الاقتصاد غير الرسمي أو الهجرة الخارجية.
وتتزايد المخاوف أيضاً من تداعيات اجتماعية أوسع، تشمل تراجع القوة الشرائية للأسر واتساع رقعة الفقر وارتفاع التوترات الاجتماعية والنقابية، في بلد يعيش واحدة من أسوأ أزماته الإنسانية والاقتصادية منذ عقود.
ويرى اقتصاديون أن أي إصلاحات مالية أو إدارية في السودان تحتاج إلى برامج حماية اجتماعية موازية وتنشيط للإنتاج المحلي، حتى لا تتحول إجراءات التقشف إلى عبء إضافي على المواطنين الذين يواجهون بالفعل مستويات غير مسبوقة من الغلاء وفقدان مصادر الدخل.
