“صوت لا يموت”.. إحياء ذكرى الجزار في أمسية مؤثرة بالمركز الثقافي الفرنسي

المحرر الثقافي، محمد إسماعيل – في قاعة احتضنت الحنين والموسيقى والدموع، تحولت أمسية إحياء ذكرى الفنان السوداني الراحل محمد فيصل الجزار بالمركز الثقافي الفرنسي في القاهرة إلى لحظة استثنائية استعادت فيها الذاكرة صوتاً ظل حاضراً رغم الغياب، وأعادت إلى الواجهة تجربة فنية عدّها كثيرون واحدة من أبرز محاولات تحديث الموسيقى السودانية خلال السنوات الأخيرة.

الأمسية التي نظمها المعهد الثقافي الفرنسي بالقاهرة بحضور فنانين وإعلاميين ومهتمين بالشأن الثقافي، لم تكن مجرد فعالية تأبينية، بل بدت كأنها احتفاء بسيرة فنان شاب استطاع خلال فترة وجيزة أن يصنع لنفسه مكانة مختلفة في وجدان جيل كامل من الشباب السوداني.

وعاد اسم محمد الجزار ليتصدر الأحاديث داخل القاعة، بينما تعاقبت الشهادات التي استحضرت رحلته الفنية، وتجربته التي مزجت بين الموسيقى السودانية التقليدية وتقنيات التوزيع الصوتي الحديثة، في محاولة لصناعة هوية موسيقية أكثر قرباً من الأجيال الجديدة.

من القضارف إلى قلوب الشباب

وُلد الفنان الراحل في ولاية القضارف شرقي السودان، وبدأ اهتمامه بالموسيقى في سن مبكرة، متعلماً العزف على الآلات الشرقية والغربية بجهود ذاتية، قبل أن يشق طريقه نحو عالم الغناء والتوزيع الموسيقي.

وبحسب مقربين منه، فإن الجزار لم يكن مجرد مطرب يؤدي الأغنيات، بل كان مشروعاً موسيقياً متكاملاً، أولى اهتماماً خاصاً للهارموني والزخارف الصوتية والتقنيات الحديثة في الإنتاج والتوزيع، وهو ما منحه بصمة فنية مختلفة.

بدأ مشواره الفني مطلع تسعينيات القرن الماضي، بينما حصل على فرصته الحقيقية للانتشار عام 2000، حين لفت الأنظار بأسلوبه الهادئ والرومانسي، قبل أن يتحول تدريجياً إلى واحد من الأصوات الأكثر تأثيراً وسط الشباب السوداني.

ويرى نقاد أن الجزار لعب دوراً بارزاً في “رقمنة الموسيقى السودانية”، عبر إدخال أساليب حديثة في التوزيع والهندسة الصوتية، الأمر الذي جعله يوصف في أوساط فنية بأنه “رائد التجديد الصوتي”.

القاهرة.. محطة التحول

في سنواته الأولى، سافر الفنان الراحل إلى القاهرة لدراسة التوزيع الموسيقي وهندسة الصوت، وهي الخطوة التي اعتبرها مقربون منه نقطة تحول مركزية في مشروعه الفني.

هناك، انفتح الجزار على مدارس موسيقية مختلفة، وبدأ في تطوير أدواته الفنية بشكل أكثر احترافية، قبل أن يعود بأعمال مزجت بين الإحساس السوداني والتقنيات الحديثة في صناعة الموسيقى.

وتعاون الراحل لاحقاً مع عدد من الموزعين الموسيقيين، وطرح أغنيات حققت انتشاراً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي، فيما رأى متابعون أن تجربته كانت تتجه نحو تأسيس شكل موسيقي جديد أكثر حداثة وانفتاحاً.

رحيل مفاجئ.. وصدمة واسعة

لكن الرحلة توقفت بشكل مفاجئ، بعدما توفي الفنان الشاب داخل مقر إقامته بمدينة القضارف إثر عارض صحي مفاجئ، في خبر أحدث صدمة واسعة بين جمهوره ومحبيه داخل السودان وخارجه.

ومنذ إعلان وفاته، تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى مساحة لاستعادة أعماله ومقاطع من أغنياته، بينما اعتبر كثيرون أن الساحة الفنية السودانية خسرت صوتاً كان مرشحاً لتقديم المزيد من التجارب المختلفة.

وخلال الأمسية، عُرضت أفلام قصيرة وثقت مراحل من حياته الفنية، إلى جانب شهادات من أصدقائه ومقربين منه، فضلاً عن فقرات غنائية استحضرت أشهر أعماله وسط تفاعل واسع من الحضور.

“ما يُصنع بصدق لا يغيب”

وبين الموسيقى والذكريات، بدت الأمسية وكأنها رسالة تقول إن الفن الحقيقي لا يرحل برحيل أصحابه.

فمحمد الجزار، الذي نجح في لفت الانتباه بموهبة مختلفة واختيارات موسيقية متفردة، ظل حاضراً في أصوات الحاضرين، وفي الأغنيات التي أعادت إلى الأذهان تجربة فنية وصفها كثيرون بأنها “جديرة بالتأمل والتحليل”.

انتهت الأمسية، لكن أثرها بقي ممتداً في القاعة، تماماً كما بقي صوت الجزار حاضراً في ذاكرة جمهوره، في تأكيد جديد على أن الأعمال التي تُصنع بصدق تظل قادرة على مقاومة الغياب.