دوائر حجرية غامضة في صحراء السودان تكشف أسرار مجتمع عاش قبل 6 آلاف عام
الغد السوداني ، في قلب صحراء العَتباي شرق السودان، حيث تمتد الرمال القاحلة اليوم بلا حياة تقريبًا، اكتشف الباحثون مئات الدوائر الحجرية القديمة التي أعادت فتح نافذة على عالمٍ اندثر قبل نحو ستة آلاف عام.
الدراسة، التي نشرتها مجلة African Archaeological Review، كشفت عن 280 منشأة حجرية دائرية موزعة بين النيل النوبي والبحر الأحمر، جرى رصدها باستخدام تقنيات الأقمار الصناعية والاستشعار عن بُعد.
ويعتقد الباحثون أن هذه الدوائر لم تكن مجرد أبنية حجرية عادية، بل مواقع دفن مرتبطة بمجتمعات رعوية بدوية اعتمدت على تربية الأبقار، التي يبدو أنها كانت محور الحياة اليومية والطقوس الاجتماعية آنذاك.
بعض هذه المنشآت احتوى على قبور بشرية، بينما ضم بعضها الآخر مدافن للأبقار، من بينها موقع يضم نحو 18 قبرًا مخصصًا للماشية، في مشهد يعكس المكانة الكبيرة التي حظيت بها الأبقار داخل تلك المجتمعات القديمة.
ولم تتوقف المفاجآت عند هذا الحد، إذ عثر الباحثون أيضًا على نقوش ورسومات صخرية تُظهر الأبقار بشكل متكرر، ما يشير إلى أنها كانت رمزًا للثروة وربما للنفوذ والمكانة الاجتماعية.
ويبدو أن بناء هذه الدوائر الحجرية احتاج إلى جهد جماعي ضخم وتنظيم دقيق، إذ قد يستغرق تشييد دائرة متوسطة الحجم أكثر من 160 يوم عمل لشخص واحد، ما يدل على وجود تعاون واسع بين أفراد المجتمع.
المثير للاهتمام أن صحراء العتباي لم تكن دائمًا بهذه القسوة والجفاف، فقبل آلاف السنين كانت المنطقة أكثر خضرة ورطوبة، ضمن ما يُعرف بـ”الفترة الرطبة الإفريقية”، حين كانت الأمطار الموسمية تغطي أجزاء واسعة من الصحراء الكبرى.
لكن مع تغيّر المناخ وتراجع الأمطار تدريجيًا نحو الجنوب، تحولت المنطقة إلى بيئة صحراوية قاسية، ما دفع كثيرًا من المجتمعات الرعوية إلى الهجرة بحثًا عن الماء والمراعي.
ورغم ذلك، تشير الدراسة إلى أن سكان العتباي تمكنوا من التكيّف مع التحولات المناخية لفترة طويلة، واستمرت تقاليدهم الجنائزية حتى الألفية الثالثة قبل الميلاد.
ويرى الباحثون أن هذه الاكتشافات تقدم صورة نادرة عن مجتمع قديم نجح في بناء حياة كاملة وسط الصحراء، معتمدًا على التنقل ورعاية الأبقار والتأقلم مع الطبيعة المتغيرة.
