السودان..الكدرو” يقود قاطرة صادر الثروة الحيوانية
الخرطوم ، الغد السوداني,أمين محمد – في خطوة تعكس قدرة الاقتصاد السوداني على الصمود وتحدي الظروف الاستثنائية، سجّلت منصات التصدير الوطنية حراكاً لافتاً تمثّل في تدفق شحنات الثروة الحيوانية نحو الأسواق الإقليمية بمعدلات قياسية. هذا الحراك يضع منظومة “الكدرو” البيطرية مجدداً في صدارة المشهد كركيزة أساسية لتأمين الغذاء الإقليمي وضخ النقد الأجنبي في خزينة الدولة.
أرقام قياسية
وكانت المديرة العامة لمحجر الكدرو البيطري، الدكتورة ألفت عبد الرحمن، قد أعلنت عن نجاح المحجر في تصدير 128,690 رأساً من الضأن إلى المملكة العربية السعودية، وذلك خلال الفترة الممتدة من يناير وحتى مطلع مايو من العام الحالي. وأوضحت في تصريح بحسب (سونا)، أن أولى شحنات الصادر انطلقت في السابع والعشرين من يناير الماضي، مؤكدة استمرار العمليات بوتيرة منتظمة تعكس استقرار سلاسل الإمداد نحو السوق السعودي.
سعات استراتيجية
وفي ذات السياق، أشارت د. ألفت إلى الأهمية التاريخية واللوجستية لمحجر الكدرو، الذي تأسس في العام 1973 كواحد من أعرق المنشآت البيطرية في المنطقة. ويمتد المحجر على مساحة شاسعة تبلغ 100 فدان، مما يمنحه قدرة استيعابية ضخمة تصل إلى 100 ألف رأس من الضأن والماعز، بالإضافة إلى 5 آلاف رأس من الأبقار والإبل، وهو ما يجعله ركيزة أساسية في منظومة الصادر السوداني.
تطوير مؤسسي
وبحثاً عن الجودة والتميز، شددت المسؤولة الأولى عن المحجر على ضرورة الالتفات إلى العنصر البشري من خلال تنظيم دورات تدريبية متقدمة لرفع كفاءة العاملين وتطوير مهاراتهم الفنية. مبينةً أن التوسع في الصادرات يتطلب مواكبة التقنيات الحديثة، لاسيما تفعيل الربط الشبكي والمعلوماتي بين كافة المحاجر الوطنية، وذلك لضمان إحكام الرقابة البيطرية وتسهيل آليات المتابعة والتقييم.
مكاسب لوجستية
وفي قراءته للأبعاد الاقتصادية لهذه الخطوة، أكد رئيس شعبة مصدري الماشية الحية السابق، الأستاذ صالح صلاح، أن عودة محجر الكدرو للخدمة مجدداً يمثل مكسباً كبيراً للاقتصاد الوطني، لافتاً في إفادته إلى أن المنشأة تشكل إضافة حقيقية لقطاع الصادرات نظراً لموقعها الاستراتيجي في العاصمة وقربها المباشر من كبرى أسواق المواشي المركزية مثل “قندهار” و”المويلح”. وقطع صلاح بأن جغرافيا المحجر تمنحه ميزات تفضيلية استثنائية لقرابة مصانع الأعلاف وتوفر الخدمات اللوجستية المتكاملة، معتبراً أن تشغيله بعد توقف طويل سيعيد الزخم والفاعلية للصادرات السودانية في الأسواق الإقليمية.
مواصفات عالمية
أكد المستشار في تطوير الأعمال الاستثمارية، الأستاذ أحمد حسن الفادني، أن مسلخ الكدرو لصادر اللحوم يعد واحداً من أحدث وأكبر المسالخ في القارة الأفريقية، سواء من حيث طاقته الإنتاجية أو بنيته التحتية المتطورة المطابقة للمواصفات العالمية. وأشار الفادني إلى أن المسلخ يشكل حجر الزاوية لبوابة الصادرات السودانية نحو الأسواق الإقليمية والدولية، لاسيما دول الخليج العربي، شمال أفريقيا، وشرق آسيا.
انعاش الاقتصاد
وفي ذات السياق، شدد المستشار الاستثماري على إسهام المسلخ المباشر في إنعاش الحركة الاقتصادية وتحسين الميزان التجاري، عبر رفع صادرات اللحوم المذبوحة والمصنعة وفق أعلى معايير الجودة. مبيناً أن هذه العمليات توفر عائدات مقدرة من العملات الأجنبية وتدعم استقرار العملة الوطنية وتكبح الفجوة التجارية، لافتاً إلى التكامل البنيوي للمشروع مع قطاع الثروة الحيوانية الذي يرفد الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتجاوز 20%، ويتمتع بميزة تنافسية طبيعية هائلة.
حراك تنموي
وعلى الصعيد التشغيلي، أوضح الفادني أن المسلخ يولد حراكاً اقتصادياً واسعاً يمتد لتشغيل آلاف العمال، الفنيين، والكوادر البيطرية، بجانب تحريك سلاسل التوريد كالأعلاف ومواد التعبئة وخدمات النقل اللوجستي عبر الموانئ والمطارات. ولفت إلى أن الأبعاد الاجتماعية والتنموية للمشروع تتجاوز الأرقام الاقتصادية لتسهم في تحسين دخول المجتمعات الريفية المنتجة في ولايات السودان، علاوة على دعم الصناعات التحويلية المرتبطة بقطاع الجلود ومخلفات الذبائح.
سلاسل القيمة
ويرى الفادني أن تعظيم الاستفادة من المسلخ كمحور أساسي يتطلب تحديث عمليات توريد الماشية من مناطق الإنتاج التقليدية في دارفور وكردفان والبطانة، بالتوازي مع إدخال نظم التتبع الرقمي لسلامة الغذاء. وأمّن على أهمية فتح قنوات تصدير مباشرة لضمان وصول العائد المالي للمنتج المحلي بعيداً عن تقاطعات الوسطاء، مع ضرورة تحفيز الأنشطة المكملة كخدمات الشحن المتخصص، المختبرات البيطرية الحديثة، والخدمات المالية والتأمينية المصاحبة.
أثر استراتيجي
وخلص الخبير الاستثماري إلى أن للمشروع أثراً استراتيجياً بعيد المدى يستهدف إعادة تمكين الهوية التنافسية للسودان كمصدر رئيسي للحوم “الحلال” عالية الجودة، بما يضمن تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على الصادرات الأولية كالذهب والزيوت. ونادى الفادني بضرورة تقديم الدولة لحزمة من التسهيلات والامتيازات الاستثمارية للمسلخ، بما يجذب رؤوس الأموال الأجنبية لدعم مشاريع الأمن الغذائي العربي والأفريقي، وتحويله إلى المنصة النفيسة الأولى للحوم في البلاد.
مستقبل القطاع
تظل العودة التدريجية والفاعلة لمنظومة الكدرو البيطرية (المحجر والمسلخ) بمثابة طوق نجاة للاقتصاد الوطني في ظل أوقات عصيبة، وخطوة عملية نحو مغادرة مربع تصدير المواد الخام إلى آفاق “التصنيع والقيمة المضافة”. بيد أن الرهان الحقيقي لتحويل هذه المنشآت العريقة إلى منصة اللحوم الأولى إقليمياً، يظل معلقاً بمدى قدرة الدولة على تقديم التسهيلات والامتيازات التي تحفز رؤوس الأموال الأجنبية، بالتوازي مع تبني سياسات هيكلية مرنة تدعم المنتجين في أقاليم البلاد المختلفة؛ لضمان تدفق مستدام يحقق الأمن الغذائي الإقليمي وينعش خزينة الدولة بالنقد الأجنبي
