
الحرب التي سرقت مكتبة الحب.. كيف اختفى إرث عبد الله الطيب وجريزلدا تحت أنقاض الخرطوم؟
لم يكن المخرج السوداني الطيب صديق يتوقع أن تتحول زيارته إلى واحدة من أكثر اللحظات إيلاماً في ذاكرة الثقافة السودانية الحديثة.
ذهب إلى حي برّي في الخرطوم ليتفقد منزل العلامة السوداني عبد الله الطيب وزوجته الفنانة البريطانية السودانية جريزلدا الطيب، آملاً أن يجد بعض الكتب أو اللوحات أو المقتنيات التي يمكن إنقاذها من الخراب، لكنه وجد شيئاً آخر تماماً: بيتاً مدمراً، وذاكرة كاملة اختفت تحت ركام الحرب.
ذلك المنزل لم يكن مجرد مسكن جامعي تابع لـجامعة الخرطوم، بل كان متحفاً حيّاً لذاكرة السودان الثقافية.
كل زاوية فيه كانت تحمل أثراً من رحلة طويلة عبر المغرب العربي وأفريقيا وأوروبا؛ لوحات، كتب نادرة، أثاث سوداني تقليدي، أقمشة قنجا ودمورية، فوانيس مغربية، وصواني شاي جاءت من مدن بعيدة، جمعها الزوجان خلال عقود من السفر والتعليم والبحث عن الجمال.
كتب الطيب صديق بحزن: “كل كرسي ومنضدة وستارة كانت ذات قيمة ثقافية وتاريخية كبيرة”، وكأن الرجل لا يرثي منزلاً فقط، بل يرثي زمناً كاملاً كانت فيه الخرطوم عاصمة للفن والمعرفة.
قصة بدأت في لندن وانتهت في الخرطوم
يصعب الحديث عن عبد الله الطيب دون جريزلدا، كما يصعب فهم قصة جريزلدا بعيداً عن السودان.
في عام 1945، بعد الحرب العالمية الثانية، التقت الفنانة البريطانية الشابة بالرجل السوداني القادم من شمال السودان للدراسة في جامعة لندن. كان يتحدث العربية الفصحى بثقة آسرة، يناقش القرآن والأدب العربي، ويبدو بالنسبة لها امتداداً حياً لقصص الشرق التي قرأتها في طفولتها.
أحبته سريعاً، لكن الطريق لم يكن سهلاً.
عائلتها البريطانية رفضت الفكرة بدايةً. كانت أمها ترى فيه “رجلاً يشبه القتلة”، بينما ذهب والدها إلى مسؤول الإدارة البريطانية للسودان باحثاً عن طريقة لإبعاد الشاب السوداني عن ابنته. لكن الرد جاء مختلفاً: عبد الله الطيب ينتمي إلى أسرة سودانية كبيرة، وله مستقبل استثنائي. بعد سنوات قليلة، أصبح ذلك “الشاب الغريب” أحد أهم أعلام اللغة العربية والأدب في السودان والعالم العربي.
السودان الذي أحبته جريزلدا
وصلت جريزلدا إلى السودان عبر رحلة بحرية طويلة نحو بورتسودان، ثم بالقطار إلى مدينة الدامر، معقل آل المجذوب التي ينتمي إليها زوجها.
كانت الصدمة الحضارية قاسية أحياناً؛ الحر، الطعام المختلف، العادات الاجتماعية التي تفصل الرجال عن النساء. لكنها بمرور الوقت لم تصبح زوجة سودانية فقط، بل تحولت إلى واحدة من أهم الموثقات للثقافة السودانية.
درست الأنثروبولوجيا والفنون، وكرّست جزءاً كبيراً من حياتها لرسم وتوثيق الأزياء السودانية والتراث الشعبي. في كتابها عن الملابس التقليدية السودانية، رسمت القُرباب والفِدَو والزُمام والحجبات، ووثّقت تفاصيل كانت تختفي تدريجياً من الحياة السودانية. لم تكن جريزلدا مجرد زوجة لعالم شهير؛ كانت شريكته الفكرية والفنية.
هي من شجعته على تعلم الفرنسية، وهي من اقترحت أن يكتب طه حسين مقدمة كتابه الشهير “المرشد إلى فهم أشعار العرب وصناعتها”. وعندما تُرجمت “الأحاجي السودانية” إلى الإنجليزية، كانت رسوماتها هي التي منحت الأساطير السودانية حياة بصرية جديدة.
بيت يشبه السودان القديم
كان منزل عبد الله الطيب وجريزلدا في الخرطوم أكثر من بيت.
كان ملتقى للمثقفين والطلاب والفنانين. مكاناً تختلط فيه العربية بالإنجليزية، والشاي السوداني بالموسيقى الكلاسيكية، والأدب العربي بالفن التشكيلي الأفريقي.
هناك عاش عبد الله الطيب سنواته الأخيرة، وهناك بقيت جريزلدا بعد وفاته عام 2003 تحرس إرثه الثقافي كأمينة مكتبة أخيرة لذاكرة السودان. خلال عقدين بعد رحيله، خاضت معارك قانونية ضد تزوير كتبه وسرقة مؤلفاته، وسعت لطباعة دواوينه غير المنشورة، واستمرت في استقبال الطلاب والباحثين داخل المنزل الذي تحول تدريجياً إلى معلم ثقافي غير رسمي.
لكن الحرب السودانية جاءت أسرع من كل محاولات الحفظ.
موت صورة ومخطوطة
حين تُقصف المدن، لا يموت الناس وحدهم.
تموت الصور، والمخطوطات، والرسائل، واللوحات، والأثاث الذي يحمل ذاكرة العائلات والبلاد.
ما حدث لمنزل عبد الله الطيب وجريزلدا يبدو بالنسبة لكثير من المثقفين السودانيين رمزاً لما يحدث للبلاد بأكملها؛ انهيار بطيء لذاكرة السودان الثقافية تحت أصوات الرصاص.
لم يكن البيت مجرد جدران. كان أرشيفاً نادراً لتاريخ الأدب والفن السوداني الحديث، وشاهداً على واحدة من أكثر قصص الحب الإنسانية فرادة بين الشرق والغرب.
وفي بلد أنهكته الحرب، تبدو خسارة المكتبات والمتاحف والمنازل الثقافية أقل حضوراً في نشرات الأخبار من أعداد القتلى والنازحين، لكنها بالنسبة للمثقفين خسارة لا تقل فداحة، لأنها تمحو ما تبقى من صورة السودان الذي عرفه العالم ذات يوم بوصفه أرض الشعر والتسامح والتنوع.
“لولاكِ أنتِ…”
كتب عبد الله الطيب ذات مرة في إهدائه لزوجته:
“لولاكِ أنتِ لكان العيش أجمعه
سحابة من حميم آسن آني”
ربما لم يكن يدرك أن الكلمات نفسها ستتحول بعد عقود إلى مرثية مزدوجة؛ لهما معاً، وللبيت الذي جمع قصتهما، وللسودان الذي كانا يحلمان به.
اليوم، لم يعد هناك أثر واضح للمكتبة، ولا للوحات جريزلدا، ولا للأثاث الذي جاء من أسفار بعيدة.
لكن الحكاية نفسها لا تزال حية؛ حكاية رجل سوداني حمل العربية إلى العالم، وامرأة بريطانية جاءت تبحث عن الشرق، فانتهى بها الأمر عاشقة للسودان حتى آخر العمر.
