جائزة الصحفيين الدولية وحرب السودان “المنسية”

لم يعد توصيف “الحرب المنسية” مجرد استعارة إعلامية لوصف ما يجري في السودان، بل أصبح واقعاً سياسياً وإنسانياً يعكس اختلالاً عميقاً في أولويات المجتمع الدولي. فمع دخول النزاع عامه الرابع، لا تزال الجهود الدبلوماسية عاجزة عن فرض وقف إطلاق نار مستدام بين الجيش وقوات الدعم السريع، فيما تتسع رقعة الكارثة الإنسانية بوتيرة تنذر بانهيار شامل.

في لحظةٍ يُفترض أن تُكرس للاحتفاء بحرية الصحافة، يأتي الثالث من أيار/مايو هذا العام مثقلاً بأسئلةٍ قاسية عن جدوى الشعارات حين تعجز عن وقف الحروب. وبينما يحيي العالم اليوم العالمي لحرية الصحافة، تقف السودان على هامش الاهتمام الدولي، في واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في العصر الحديث، حيث تتقاطع الحرب مع الجوع والنزوح والانهيار المؤسسي.

في هذا السياق، يكتسب فوز نقابة الصحفيين السودانيين بجائزة جائزة اليونسكو/غييرمو كانو العالمية لحرية الصحافة دلالة تتجاوز التكريم الرمزي. فهو اعتراف دولي بشجاعة صحفيين عملوا تحت القصف، ووسط الانقطاع والانتهاكات، لنقل حقيقة حربٍ تُدار بعيداً عن عدسات العالم. لكنه، في الوقت ذاته، يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي “هل يُكتفى بالاحتفاء بالشجاعة”، أم يُترجم هذا الاعتراف إلى فعلٍ ملموس يوقف نزيف الدم؟

تشير تقارير إعلامية دولية إلى أن الحرب في السودان بالكاد تحظى بمساحة تُذكر في التغطية العالمية مقارنة بصراعات أخرى. وقد وصفت صحف غربية النزاع بأنه “خارج الرادار”، رغم كلفته البشرية الهائلة. آلاف القتلى، ملايين النازحين، وأزمة جوع تتفاقم لتطال أكثر من 24 مليون شخص، وفق تقديرات مدعومة من الأمم المتحدة. أرقام يصعب التحقق من دقتها الكاملة، لكنها تكشف بوضوح حجم المأساة.

في خلفية هذا الصمت، تتشابك مصالح معقدة. فبينما تتدفق الأسلحة بطرق مباشرة وغير مباشرة، تستمر موارد البلاد “وفي مقدمتها الذهب” في تمويل أطراف النزاع. وقد حذرت تحليلات أوروبية من أن مليارات الدولارات المتأتية من تجارة الذهب تُسهم في إطالة أمد الحرب، ما يجعل من تجفيف منابع التمويل خطوة ضرورية، وإن لم تكن كافية، لخفض مستوى العنف وفتح نافذة للحلول السياسية.

أما على الأرض، فتتخذ الأزمة وجهاً أكثر قسوة. تقارير عن انتشار المجاعة في عدة مناطق، وتعطل الإنتاج الزراعي بسبب النزاع، ونزوح جماعي يضغط على الموارد المحدودة أصلاً. في ولايات دارفور والخرطوم والجزيرة، ناهيك عن اللجوء؛ فالمفارقة هنا تكمن في أن أوضاع اللاجئين أكثر تعقيداً، رغم أنها أكثر أماناً بعيداً عن أصوات المدافع وأزيز الطائرات. لم يعد الجوع تهديداً مستقبلياً، بل واقعاً يومياً يهدد ملايين الأسر.

ورغم ذلك، يظل السودان غائباً عن صدارة الأجندة الدولية. هذا الغياب لا يعكس نقصاً في المعلومات، بل نقصاً في الإرادة. فالعالم الذي يملك الأدوات لفرض عقوبات أكثر صرامة، أو لتقييد تدفقات السلاح، أو حتى لدفع مسارات تفاوض جادة، يبدو منشغلاً بأزمات أخرى.

من هنا، فإن تكريم الصحفيين السودانيين يجب ألا يُقرأ كنهاية قصة، بل كبداية ضغط جديد. فحرية الصحافة لا تكتمل في بيئة تُقصف فيها المستشفيات وتُحاصر فيها المدن. وشجاعة الصحفيين لا ينبغي أن تكون بديلاً عن مسؤولية الدول.

إن تحويل هذا الاعتراف الدولي إلى خطوة عملية سواء عبر تحرك دبلوماسي جاد، أو آليات رقابة على تمويل النزاع، أو دعم إنساني عاجل لم يعد خياراً، بل ضرورة. فالسودان لا يحتاج فقط إلى من يروي قصته، بل إلى من يُنهي مأساته.

وفي يومٍ يُفترض أن يُدافع فيه العالم عن حرية الكلمة، يبقى التحدي الحقيقي هو هل تُسمع أصوات السودانيين هذه المرة، أم تظل الحرب مستمرة… في صمت؟