مؤتمر برلين بشأن السودان: من الإغاثة إلى بناء الكتلة المدنية الحرجة والمشروع الوطني الديمقراطي النهضوي

إبراهيم البدوي

أكاديمي وخبير اقتصادي سوداني

وزير المالية السابق ابراهيم البدوى  يكتب

مقدمة

في الخامس عشر من أبريل 2026 (أي بعد ثلاث سنوات من اندلاع الحرب الأهلية في السودان)، انعقد مؤتمر برلين حول السودان بدعوة من وزارة الخارجية الألمانية، حيث جاء هذا المؤتمر في سياق استمرارية الجهود الدولية لدعم السودان في ظل الحرب، وامتداداً لمسار مؤتمري باريس ولندن في عامي 2024 و2025 على التوالي. فبينما ركّز هذان المؤتمران على هدف رئيسي تمثّل في تسليط الضوء على الأزمة الإنسانية المتفاقمة التي جرى تجاهلها دولياً، وحشد الدعم المالي اللازم لمواجهتها، سعى مؤتمر برلين إلى الربط بين الإغاثة والمسار السياسي، عبر تأكيد دور القوى المدنية السودانية، ودعم جهود الوساطة الإقليمية والدولية. وقد شاركت في المؤتمر أطياف واسعة من الفاعلين، شملت أعضاء مجموعة “الرباعية” (الولايات المتحدة، السعودية، مصر، الإمارات)، إلى جانب “المجموعة الخماسية” (الأمم المتحدة، الاتحاد الأفريقي، الإيغاد، جامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي)، فضلاً عن ممثلين للمجتمع المدني السوداني ومنظمات إنسانية دولية.

جاء مؤتمر برلين بشأن السودان في لحظة مفصلية منذ إشتعال حرب الخامس عشر من أبريل المشئومة، حيث تلاقت أزمة إنسانية غير مسبوقة مع انهيار شامل في بنية الدولة وشرعيتها وإنكشافها على مخاطر جمة، تُشكّل تهديداً وجودياً لوحدتها الترابية وتماسك نسيجها الاجتماعى. وقد عبّر البيان الختامي للمؤتمر عن هذا الإدراك بوضوح، مؤكداً أن الأزمة السودانية تُعد من أخطر الأزمات الإنسانية عالمياً، ومشدداً على أولوية وصول العون الإنساني غير المقيد، ورفض الحل العسكري، والدفع نحو عملية سياسية تقود إلى حكم مدني ديمقراطي (وزارة الخارجية الألمانية). غير أن أهمية المؤتمر لا تكمن فقط في مخرجاته المعيارية، بل في بنيته السياسية المركّبة وما تتيحه من إمكانات لإعادة تشكيل معادلة الفعل السياسي في السودان.

مع ذلك، فإن بيان مؤتمر برلين، رغم تميزه بسمتين أساسيتين – تمثّلتا في طابعه المعياري، من حيث التأكيد على المبادئ العامة (لا حل عسكري، حماية المدنيين، وحتمية الانتقال المدني الديمقراطي)، وطابعه الإنساني-التمويلي، يظل محدود الأثر، لافتقاره إلى أدوات تنفيذية ملزمة وآليات مساءلة مباشرة. وبذلك، يبقى أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى إطار عملي قادر على إحداث تحول فعلي في توازنات الصراع. أكثر من ذلك، فى حالة غياب الوجود الميدانى الفاعل وأدوات محكمة لتوزيع العون الإنسانى، يمكن أن يتم توظيفه بواسطة سلطتى الأمر الواقع لأهداف سياسية، بل وحتى لتمويل المجهود العسكرى.

وعليه، يهدف هذا المقال إلى تقديم قراءة تحليلية لمؤتمر برلين تتجاوز البعد الوصفي، من خلال تفكيك طبيعته “الثلاثية”، وتبيان حدود تفاهماته، واقتراح مسار عملي لتحويله من منصة دبلوماسية إلى رافعة حقيقية لمشروع وطني سوداني، قائم على كتلة مدنية حرجة، وميثاق وطني جامع يُفضي إلى عقد اجتماعي ملزم، وإسناد أممي متعدد الأبعاد.

أولاً: الأهمية الاستراتيجية للصفة الثلاثية لمؤتمر برلين

تتجلى القيمة النوعية لمؤتمر برلين في طبيعته “الثلاثية”، التي جمعت بين ثلاث دوائر فاعلة ذات خصائص – يمكن نظرياً أن تكون متكاملة – هي: القوى المدنية السودانية، ومجموعة الرباعية الدولية، والمجموعة الخماسية ذات الامتداد الإقليمي والأممي. وتكتسب هذه البنية أهمية خاصة من حيث بعدها التمثيلي؛ فمن جهة، مثّلت المشاركة الفاعلة للقوى المدنية فرصة نادرة لإعادة تجميع أطياف المجتمع المدني السوداني حول أرضية مشتركة. ومن جهة ثانية، تتمتع الرباعية الدولية بقدرة تأثير مباشرة على طرفي الحرب، ما يجعلها فاعلاً حاسماً – إن توفرت الإرادة السياسية – في إعادة تشكيل حسابات الكلفة والعائد لدى الفاعلين المسلحين. أما المجموعة الخماسية، فتؤدي دوراً مكملاً يتمثل في توفير الإطار المؤسسي والشرعي اللازم لتحويل هذا التحول في الحوافز إلى عملية سياسية قابلة للاستدامة.

ومع ذلك، يظل هذا التوافق في مستوى المبادئ العامة، الأمر الذي يقتضي أن تغتنم القوى المدنية الفرصة التي أتاحها مؤتمر برلين، باعتباره يشكّل نواة أولية لبناء كتلة مدنية حرجة قادرة على استعادة زمام المبادرة السياسية عبر ميثاق وطني جامع، يحدّد الأطر والمعالم البرنامجية المتينة للمبادئ التي تم التوافق عليها. وفي هذه الحالة، تستطيع هذه الكتلة الوطنية مطالبة الرباعية بممارسة ضغط حقيقي يؤدي إلى زيادة كلفة الحرب بالنسبة إلى أطرافها الرئيسة، بما في ذلك المليشيات والقوى الحليفة. فالحروب الأهلية، كما في السياق السوداني، لا تُفهم فقط بوصفها صراعاً سياسياً، بل أيضاً كنظام لتوزيع الموارد والسلطة، حيث ترتبط استدامة العنف بوجود شبكات تمويل وولاءات تُغذّي ما يشبه “سوقاً سياسية” تقوم على تبادل المال والنفوذ مقابل البقاء. وعليه، فإن أي دور خارجي فعّال لا بد أن يستهدف هذه البنية نفسها، عبر تقويض مصادر تمويل الحرب وإعادة توجيه الحوافز نحو التسوية، لا الاكتفاء برعاية التفاوض في حد ذاته.

كذلك، فإن وجود كتلة وطنية ذات تفويض شعبي واسع، متوافقة على ميثاق وطني واضح المعالم – يمكن على أساسه التعاهد على عقد اجتماعي راسخ – من شأنه أن يعزز ثقة المجموعة الخماسية بقدرة وعزم القوى المدنية الديمقراطية على النهوض بتحديات بناء السلام والانتقال المدني الديمقراطي. وبذلك، يزداد استعداد هذه المجموعة لتفعيل شرعيتها الإقليمية والأممية، وترجمة المبادئ العامة لمؤتمر برلين إلى أدوات عملية، عبر دعم جهود إعادة الإعمار وبناء القدرات، بما يمكّن من الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى أفق إعادة تأسيس الدولة على قاعدة تنموية ديمقراطية مستدامة.

وليس من قبيل المبالغة التأكيد على أن بناء الكتلة الوطنية الحرجة، والميثاق الوطني، والعقد الاجتماعي المنبثق عنهما، يشكّل أدوات مركزية لتفعيل التوافق، واستنهاض القدرات الكامنة لدى مجموعتي الرباعية والخماسية لدعم المشروع الوطني السوداني، وتحقيق الحد الأدنى من المهام الوطنية، وفي مقدمتها: وقف الحرب، وتوسيع نطاق الدعم الإنساني، وإعادة بناء المؤسسات العسكرية والأمنية والأجهزة العدلية وفق المعايير المهنية العالمية، تمهيداً لإطلاق الانتقال نحو الحكم المدني على أسس راسخة.

بل إن عملية بناء هذه الكتلة، بميثاقها وعقدها الاجتماعي، تتجاوز ذلك إلى كونها مدخلاً لإعادة توجيه سلوك النُخَب نحو الالتزام باستحقاقات “الشرعية السياسية-الاقتصادية” المزدوجة، في سياق مشروع تنموي إنتاجي يخاطب جذور أزمة المشروع الوطني السوداني التاريخية. فإعادة تأسيس الشرعية لا تقوم فقط على القبول الشعبي – على أهميته القصوى – بل أيضاً على قاعدة الأداء الاقتصادي، لا على مجرد السيطرة السياسية أو توزيع الريع. وبهذا المعنى، يصبح الرهان على التنمية – بوصفه خياراً استراتيجياً للنُخَب – شرطاً ضرورياً للخروج من توازنات الحرب، حيث لا يستقر السلام إلا عندما تتراجع عوائد العنف لصالح عوائد الإنتاج والاستثمار.

وتشير التجارب المقارنة إلى أن الاستقرار المستدام لا يتحقق إلا عندما يتوافر توازن دقيق بين دولة قادرة ومجتمع قادر في آن واحد؛ دولة تمتلك أدوات الفعل والتنفيذ، ومجتمع قادر على تنظيم نفسه ومساءلتها. وفي غياب هذا التوازن، إما أن تنزلق الدولة إلى الاستبداد، أو أن تنفتح الساحة أمام فوضى الصراع المسلح واقتصاد الحرب. ومن ثم، فإن القيمة الأعمق للبنية الثلاثية لمؤتمر برلين تكمن في كونها تهيئ – ولو بصورة أولية – شروط الانتقال من حالة الانهيار المزدوج للدولة والمجتمع إلى أفق يمكن فيه إعادة بناء هذا التوازن.

ثانياً: من المبادئ إلى البرنامج – ضرورة مبادرة الكتلة المدنية

رغم الأهمية المعيارية للمبادئ التي أقرها مؤتمر برلين، فإن التجربة السودانية تُظهر أن التوافقات غير المؤسَّسة برنامجياً تظل عاجزة عن تغيير التوازنات الفعلية على الأرض. ومن ثم، فإن القيمة الحقيقية للتركيبة الثلاثية للمؤتمر لا تتحقق إلا بانتقال القوى المدنية من موقع التلقي إلى موقع المبادرة، عبر بلورة برنامج وطني متكامل يُترجم تلك المبادئ إلى سياسات وإجراءات قابلة للتنفيذ. وفي هذا الإطار، لا يكفي التوافق حول ميثاق وطني في حد ذاته، بل تبرز الحاجة إلى مأسسته في صورة برنامج مرحلي واضح المعالم، يربط بين متطلبات إنهاء الحرب وأسس بناء الدولة في مرحلة ما بعد النزاع. ويقتضي ذلك الانتقال من خطاب المبادئ العامة إلى تحديد أولويات عملية، وآليات تنفيذ، وتسلسل زمني للتدخلات، بما يضفي على المشروع الوطني طابعاً إجرائياً لا يقتصر على الإطار المعياري.

ويُفترَض أن يرتكز هذا البرنامج على ثلاثة محاور مترابطة: الإصلاح الأمني، والعدالة الانتقالية، والتحول الاقتصادي. بينما يبدو بديهياً الأهمية القصوى للإستحقاقين الأوليين على المستوى التأسيسى لعملية بناء السلام والإنتقال المدنى، يجب عدم التقليل من أهمية البعد الاقتصادي، إذ لا يمكن لأي عملية انتقال أن تكتسب الاستدامة دون إعادة ربط الشرعية السياسية بالأداء الاقتصادي، من خلال تحقيق الحد الأدنى من الاستقرار المعيشي، واستعادة الخدمات الأساسية، وإطلاق عملية إعادة الإعمار. ومن هذا المنظور، فإن نجاح الانتقال لا يقاس فقط بمدى التقدم في الترتيبات السيادية والعدلية وتقاسم السلطة، بل بقدرة الدولة على استعادة وظائفها الخدمية والتنموية.

وفي هذا السياق، يكتسب الميثاق الوطني أهمية مضاعفة بوصفه إطاراً ناظماً لمرحلتين متكاملتين: الأولى تُعنى بإنهاء الحرب عبر إصلاح أمني شامل وعدالة انتقالية فعّالة؛ والثانية تستهدف إطلاق مسار تنموي يعالج الاختلالات البنيوية للاقتصاد السوداني، وفي مقدمتها هيمنة الاقتصاد الريعي، وضعف المؤسسات، واختلال العلاقة بين المركز والأطراف. ومن دون هذا الربط بين المسارين، تظل مخاطر الانزلاق نحو “السلام السلبي” قائمة، حيث تُفضي التسويات السياسية غير المصحوبة بتحول اقتصادي إلى إعادة إنتاج أسباب الحروب والنزاعات وعدم الإستقرار السياسى.

وعليه، فإن التحدي الأساسي لا يكمن في صياغة المبادئ، بل في تحويلها إلى برنامج وطني قابل للتنفيذ، تتبناه كتلة مدنية قادرة على توحيد الإرادة السياسية، وتوجيه الدعم الإقليمي والدولي نحو مسار متسق، يربط بين إنهاء الحرب وإعادة تأسيس الدولة على أسس تنموية مستدامة.

ثالثاً: نحو عملية أممية متدرجة تحت مظلة الميثاق الوطني

إن بلورة ميثاق وطني متوافق عليه تفتح المجال أمام توظيف الدعم الدولي بطريقة أكثر فاعلية، من خلال الدعوة إلى عملية أممية متعددة المراحل، تستند إلى شراكة بين الكتلة المدنية والمجتمع الدولي. تأسيساً على الأدبيات الحديثة في بناء السلام، يمكن النظر إلى الأمم المتحدة باعتبارها “الضلع الثالث” في مثلث السلام، حيث تسهم في تعويض ضعف المؤسسات الوطنية وتآكل النسيج الاجتماعي في حالات ما بعد الحروب والنزاعات الأهلية. وفي الحالة السودانية، يصبح هذا الدور ضرورة استراتيجية، وليس مجرد إضافة شكلية.

في المرحلة الأولى، يمكن للعملية الأممية أن تدعم التوصل إلى وقف إطلاق النار، وتؤسس لإدارة إنسانية محايدة وفعّالة، مع توسيع الفضاء أمام القوى المدنية للاضطلاع بدور مباشر في تقديم العون الإنساني. ومن شأن ذلك أن يسهم في تحويل الإغاثة من عنصر في اقتصاد الحرب إلى مدخل لإعادة بناء الشرعية المدنية.

أما في المرحلة الثانية، فيمكن للإسناد الأممي أن يوفر الضمانات اللازمة لاعتماد المعايير الدولية في مجالي الإصلاح الأمني والعدالة الانتقالية، بما يمنع انزلاق العملية إلى ترتيبات شكلية تعيد إنتاج توازنات القوة القائمة.

وفي المرحلة الثالثة، يكتمل المسار عبر إطلاق عملية انتقال مدني ديمقراطي، تقوم على وثيقة دستورية، وتُفضي إلى تشكيل حكومة انتقالية لمدى زمنى محدود، تقودها الكتلة الوطنية الحرجة، وتتبنى برنامجاً شاملاً لإعادة الإعمار والتحول الاقتصادي.

كما أن وجود الأمم المتحدة ضمن إطار متعدد الأطراف يسهم في الحد من مخاطر تحول السودان إلى ساحة تنافس إقليمي، ويوفر مظلة شرعية تحمي المشروع الوطني من الضغوط الخارجية والصفقات غير المتكافئة.

خاتمة: من برلين إلى إعادة تأسيس الدولة

إن القيمة الحقيقية لمؤتمر برلين لا تكمن في تعهداته المالية أو بياناته السياسية – على أهميتها البيِّنة – بل في النافذة التي يفتحها لإعادة صياغة العلاقة بين الداخل والخارج في السودان. غير أن اغتنام هذه الفرصة يظل مشروطاً بقدرة القوى المدنية على التحول من موقع التلقي إلى موقع المبادرة، ومن التوافقات العامة إلى البرامج التنفيذية.

وفي هذا الإطار، يصبح التلاقي بين ثلاثة عناصر شرطاً حاسماً للنجاح:

* كتلة مدنية حرجة تقود المشروع وتمنحه الشرعية الداخلية؛

*ميثاق وطني جامع يؤسس لعقد اجتماعي جديد؛

*إسناد أممي متعدد الأبعاد يوفر الضمانات والمعايير والدعم المؤسسي.

هذا التلاقي وحده هو الكفيل بنقل السودان من حالة “إدارة الأزمة” إلى أفق “إعادة تأسيس الدولة”، حيث يتحول السلام من مجرد وقف للحرب إلى مشروع تحوّلي يعيد بناء الاقتصاد، ويؤسس للشرعية، ويطلق ديناميات تنمية مستدامة. أما في غياب هذا التلاقي، فسيظل خطر انزلاق الإغاثة إلى جزء من اقتصاد الحرب قائماً، وستبقى المبادرات الدولية تدور في حلقة مفرغة. وعلى العكس، فإن نجاح القوى المدنية في بلورة مشروع وطني متكامل – مدعوماً بإسناد أممي-إقليمى – يمكن أن يجعل من مؤتمر برلين نقطة انطلاق حقيقية نحو سودان جديد.