تأثير دومينو المضايق .. كيف تنتشر الفوضى من هرمز إلى ملقا

عبدالوهاب جمعه يكتب ..
بينما لايزال العالم يئن من اغلاق مضيق هرمز والذي أثر على الاقتصاد العالمي، ينطلق صوت آخر من اندونسيا بفرض رسوم على العبور بمضيق ملقا، وهو ما يعني تآكل القانون الدولي وقوانين عبور البحار. ويلقي تساؤل خطير عن مدى تحول مضيق ملقا إلى ساحة للصراع الجيوسياسي الجديد؟

مزحة أم بالون اختبار
اقترح وزير المالية الإندونيسي إمكانية فرض رسوم على السفن التي تستخدم مضيق ملقا، في خطوة مشابهة لما فعلته إيران في مضيق هرمز، قبل أن يتراجع عن هذه الفكرة.
قال السيد بوربايا إن إندونيسيا لن تتمكن من تنفيذ الرسوم إلا بتعاون سنغافورة وماليزيا، اللتين تمتلكان أيضاً أراضي على طول المضيق، لكنه أشار إلى أن الأمر قد يكون مربحاً للدول الثلاث. وقال: “إيران تخطط الآن لفرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز. إذا قسمناها بيننا ثلاثة – إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة – فقد تكون العائدات كبيرة جداً. لو فقط كان الأمر كذلك. لكنه ليس كذلك”.

 “سنغافورة واستراليا: ردود غاضبة
لكن الرد الاول جاء من سنغافورة حيث استبعد وزير الخارجية السنغافوري فيفيان بالاكريشنان الانضمام إلى أي خطوة لفرض رسوم على مضيق ملقا. وقال الدكتور بالاكريشنان: “حق المرور العابر مضمون للجميع. لن نشارك في أي محاولات لإغلاق أو اعتراض أو فرض رسوم في جوارنا”.
وجذب الدكتور بالاكريشنان الانتباه العالمي في وقت سابق من هذا الشهر عندما أعلن أن سنغافورة لن تفكر في دفع رسوم لإيران للسماح للسفن بالمرور عبر مضيق هرمز. وقال إن حق المرور في الممرات المائية الدولية “ليس امتيازاً تمنحه الدولة الحدودية، وليس ترخيصاً يجب التماسه، وليس رسوماً يجب دفعها”.
دخلت استراليا على خط الازمة ، فقد قال وزير الدفاع الأسترالي ريتشارد مارلز إن أستراليا “ملتزمة تماماً باتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، وحرية الملاحة، والنظام الأوسع القائم على القواعد”.
لا ينبغي النظر إلى تصريح وزير المالية الإندونيسي كمزحة عابرة أو زلة لسان، بل كـ “بالونة اختبار” تعكس تحولاً خطيراً في الفكر الجيوسياسي لبعض الدول الناشئة تحت تأثير اضطرابات النظام الدولي خاصة بعد حرب إيران وتأثيرات السياسات الأمريكية.

عنق زجاجة تجارة العالم
يعتبر مضيق ملقا مهم جدا للملاحة العالمية والتجارة الدولية ، وهو ممضيق يربط المحيطين الهندي والهادئ وينقل أكثر من 40% من التجارة البحرية العالمية.
يمتد المضيق بين شبه الجزيرة الماليزية (من الشمال والشرق) وجزيرة سومطرة الإندونيسية (من الجنوب والغرب). ويربط المحيط الهندي بالمحيط الهادئ (عبر بحر الصين الجنوبي ومضيق سنغافورة).
يبلغ طوله حوالي 805 كيلومترات ويتراوح عرضه بين 65 كم في أوسع نقطة و2.8 كم فقط في أضيق نقطة قرب سنغافورة، عند نقطة تسمى “فيليبس تشانل”.
يعتبر مضيق ملقا من اهم طرق تجارة الطاقة حيث ينقل المضيق حوالي 25-30% من النفط المنقول بحراً في العالم، ونحو 25% من تجارة الغاز الطبيعي المسال.
يعد مضيق ملقا ثاني أكثر الممرات المائية ازدحاما في العالم بعد قناة السويس من حيث الحمولة، والأكثر ازدحاماً من حيث عدد السفن في بعض التصنيفات، حيث تمر به قرابة 100 ألف سفينة في العام.

المضايق.. جسور ام حواجز للتجارة

سواء كان الاقتراح جاداً أم لا، فإن اقتراح بوربايا يودي ساديوا هو علامة على مدى تآكل معيار حرية الملاحة السلمية بسبب الحرب الإيرانية.
تراجع الوزير الإندونيسي عن فكرته لكن ذلك لا يعني نهاية القصة، لكن ربما هي مجرد هدنة مؤقتة في معركة أكبر حول سيادة القوانين الدولية. فبينما تحاول بعض القوى تحويل الجغرافيا إلى سلاح للابتزاز المالي، فان العالم متمسك برؤية ” البحار يجب أن تكون جسوراً للتواصل لا حواجز للابتزاز” .
مستقبل مضيق ملقا، ومستقبل التجارة العالمية، يعتمد على قدرة المجتمع الدولي، وعلى رأسه الدول الآسيوية الكبرى، على صد محاولات السيطرة على الممرات الدولية.