مؤتمر برلين ونقطة التحول: الحرب تتراجع وفرص السلام تتسع

محمد الأمين عبد النبي يكتب..

في ظل حرب ممتدة أعادت تشكيل ملامح الدولة والمجتمع في السودان، تكثّفت الجهود الدولية والإقليمية بحثًا عن مخرج سياسي يضع حداً للانهيار المتسارع. وفي هذا السياق، جاء مؤتمر برلين في الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب، كحلقة مفصلية ضمن مسار تراكمي؛ إذ لم يقتصر على توصيف الأزمة أو حشد الدعم الإنساني، بل سعى إلى إعادة ترتيب أولويات التدخلات العاجلة وفتح نافذة لتقاطع المسارات السياسية والديلوماسية مع الحراك المدني السوداني.

في الوقت ذاته، تبدو القوى المدنية السودانية أكثر وعياً بكلفة التشرذم ومخاطره على أي مشروع للانتقال، وهو ما انعكس في “النداء المشترك” كخطوة متقدمة نحو بلورة إعلان مبادئ جامع، يستند إلى مخرجات مؤتمر القوى المدنية والسياسية في القاهرة، ويطورها باتجاه صياغة رؤية أكثر تماسكاً.

ومع تصاعد تعقيدات الصراع وتشابكاته الإقليمية، يطرح المؤتمر سؤالاً جوهرياً: هل يمكن لهذا الزخم الدولي والمدني أن يتحول إلى مسار عملي لوقف الحرب؟ وهل نحن أمام معادلة جديدة تجمع بين الضغط الدولي والفاعلية المدنية لصياغة مستقبل السودان، بعيداً عن دورات الاستقطاب التي أعاقت سابقاً فرص الحلول المستدامة؟

تشكل الوثائق الرئيسية الصادرة عن المؤتمر المتمثلة في “النداء المشترك”، و”بيان اللجنة الخماسية”، و”البيان الختامي” حزمة متكاملة لإعادة ضبط بوصلة التعامل مع الأزمة السودانية. فالنداء المشترك يعيد الاعتبار للمسار المدني بوصفه مرجعية أخلاقية وسياسية، بينما يوفر بيان الخماسية غطاءً دولياً وشرعية إقليمية لقطع الطريق أمام سلطة الأمر الواقع وهياكل الحكم الموازية. أما البيان الختامي، فيدمج البعد الإنساني العاجل بالحل السياسي الشامل، محولاً هذه التفاهمات إلى إطار ناظم يربط استقرار الإقليم بوحدة الدولة السودانية واستعادة مسارها المدني الديمقراطي.

وضع مؤتمر برلين، بحسب بيانه الختامي، أولوية إنسانية واضحة، باعتبار الأزمة السودانية من أخطر الأزمات عالمياً، مع التشديد على ضمان وصول المساعدات بشكل آمن ودون عوائق إلى جميع المناطق، وحماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني. كما جدّد الدعوة إلى وقف فوري للأعمال العدائية، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني، ووقف أي دعم خارجي يطيل أمد النزاع، مع إدانة الانتهاكات الجسيمة، بما فيها العنف الجنسي والهجمات ذات الطابع الإثني، والتأكيد على ضرورة التحقيق والمساءلة.

سياسياً، أكد المؤتمر أن الحل المستدام يمر عبر عملية سياسية سودانية بقيادة مدنية، مدعومة إقليمياً ودولياً، تمهيداً لمرحلة انتقالية بعد وقف إطلاق النار. كما شدد على تنسيق الجهود ودعم دور المبعوث الأممي. وتعهد المانحون بتقديم نحو 1.5 مليار يورو لدعم الاستجابة الإنسانية داخل السودان والدول المجاورة، مع التركيز على تمكين المنظمات المحلية، وضمان استمرار الانخراط الدولي لمنع تحول الأزمة إلى “أزمة منسية”.

فيما قدم بيان الآلية الخماسية مقاربة تسعى لإعادة ضبط مسار الأزمة عبر الدفع نحو حوار سياسي مملوك للسودانيين، محذراً من التداعيات المتفاقمة للصراع مع دخوله عامه الرابع، بما في ذلك تصاعد العنف، وتزايد مخاطر التفكك، وتعميق الكارثة الإنسانية. ويطرح المؤتمر منصة لتعزيز الانخراط الدولي والضغط لخفض التصعيد، مع إبراز دور القوى المدنية من خلال “الندوة المدنية والسياسية” التي استهدفت بلورة موقف موحد، كخطوة ضمن مسار تدريجي أوسع.

وشدد البيان على أهمية الفضاء المدني في تقليص الاستقطاب وتعزيز التماسك الاجتماعي تمهيداً لحوار سياسي شامل، ويؤكد على ثوابت السيادة ووحدة السودان، ورفض أي ترتيبات موازية قد تقود إلى التفتيت، داعيًا الفاعلين الإقليميين والدوليين إلى دعم خفض التصعيد وتهيئة بيئة ملائمة لسلام تفاوضي مستدام.

وقد مثّل مؤتمر برلين محطة مهمة في إعادة تجميع الصوت المدني السوداني، حيث أفضى إلى حد أدنى من التوافق بين طيف واسع من القوى المدنية حول مرجعية الحل المدني وضرورة إنهاء الحرب عبر مسار تفاوضي شامل. وقد عكس النداء المشترك فهماً متقدماً لطبيعة الأزمة، التي لا يمكن حسمها عسكرياً، بل عبر عملية سياسية ذات ملكية سودانية تقود إلى انتقال ديمقراطي.

كما برز توافق واضح حول وحدة السودان وسيادته، ورفض خطاب الكراهية، وأهمية بناء الثقة بين الفاعلين، وهي عناصر تشكل أرضية مشتركة لم تكن متاحة بهذا الوضوح سابقاً. وعلى مستوى المضامين، اتفقت القوى المدنية على أولويات مركزية، أبرزها: وقف إطلاق النار، حماية المدنيين، ضمان وصول المساعدات، والالتزام بالقانون الدولي الإنساني، إلى جانب مساءلة مرتكبي الانتهاكات.

كذلك تلاقت الرؤى حول إطلاق عملية سياسية شاملة قائمة على الشمولية والعدالة وسيادة حكم القانون، مع إشراك النساء والشباب والنازحين، بما يعكس وعياً بضرورة توسيع القاعدة الاجتماعية للعملية السياسية. هذا التقاطع في القضايا الإنسانية والسياسية يعكس نضجاً في الخطاب المدني، ويفتح المجال لبناء جبهة أكثر تماسكاً. وعليه، يمكن القول إن مؤتمر برلين نجح في إنتاج قدر من التوافق وتحديد أولويات مشتركة.

تعكس دلالات المؤتمر تحولاً في مقاربة الأزمة، إذ جاء امتداداً لتراكمات سياسية سابقة باتجاه إشراك القوى المدنية في مسارات الحل، وهو ما تجسد في إدماجها ضمن اللقاء التمهيدي في أديس أبابا، الذي أفرز وثيقة النداء المشترك وأدرجها ضمن قرارات مؤتمر برلين.

تشير طبيعة الدعوة لمؤتمر برلين، التي لم تُوجَّه إلى أطراف الحرب ولا إلى الحركات والمليشيات المتحالفة معها، إلى اتجاه متزايد نحو إبعاد الفاعلين المسلحين لصالح إعادة الاعتبار للمسار المدني. وتعكس هذه الدينامية ضغطاً واضحاً في اتجاه فك الارتباط بين طرفي الحرب وحلفائهم الذين يوظفون السلاح لتحقيق أجندات سياسية، بما يحدّ من تعقيد المشهد ويفتح المجال أمام مسارين متوازيين: تفاوض أكثر مباشرة بين المكوّنين العسكريين، وحوار مدني أكثر استقلالاً، بما يعزز فرص الوصول إلى تسوية أكثر استدامة.

وفي بعده الأوسع، يعكس المؤتمر توجهاً لإعادة هندسة التوازنات الدولية والإقليمية والمحلية في السودان، عبر تنسيق أدوار الفاعلين الخارجيين، بما يتجاوز إدارة الأزمة إلى محاولة ضبط تداعياتها على الأمن الإقليمي. فالسودان، بموقعه الاستراتيجي وارتباطه بأمن البحر الأحمر وعمقه الإفريقي، يمثل ساحة لتقاطع المصالح الجيوسياسية، ما يجعل استقراره مسألة تتجاوز البعد الإنساني إلى اعتبارات تتعلق بإدارة الموارد واحتواء التهديدات العابرة للحدود وإعادة ترتيب النفوذ في مرحلة ما بعد الحرب.

لم يقتصر ما بعد المؤتمر على تجديد الالتزامات، بل اتجه نحو وضع مبادئ ومؤشرات عملية لتنسيق المبادرات، بما يقلل التداخل ويعزز التكامل بين المسارات الدولية والإقليمية، بما في ذلك أدوار المجموعة الخماسية والآلية الرباعية، إلى جانب المملكة المتحدة والنرويج والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، فضلًا عن الدول الإقليمية مثل مصر والسعودية والإمارات. وتشمل هذه المؤشرات توحيد الرسائل السياسية، وتعزيز آليات الوساطة المشتركة، وربط الحوافز بالضغوط، في محاولة لتحويل الزخم الدبلوماسي إلى مسار منسق يفرض خفض التصعيد ويمهد لعملية سياسية.

كما يبرز النداء المشترك كقاعدة يمكن البناء عليها لإطلاق مبادرة وطنية سودانية، أقرب إلى إعلان مبادئ يحدد أولويات وقف الحرب وإعادة بناء الدولة. وتكمن أهميته في قدرته على توحيد الرؤية المدنية وتقليل الاستقطاب، بما يعزز فرص تحويل التفاهمات الدولية إلى مسار سوداني خالص.

فقد شهدت المرحلة التي تلت المؤتمر حراكاً دبلوماسياً متسارعاً يعكس انتقال الأزمة إلى مرحلة الضغوط المركبة. فقد برزت تحركات المبعوث الأمريكي مسعد بولس عبر جولاته في تركيا ومصر، بالتوازي مع زيارة القائد العام للجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى السعودية، بما يشير إلى تنشيط الدور السعودي. كما تتقاطع تسريبات عن قبول أطراف النزاع بالورقة الأمريكية الأخيرة، مع مواقف سعودية ومصرية داعية إلى وقف الحرب.

وفي واشنطن، تتصاعد الضغوط عبر تحركات في الكونغرس لتصنيف قوات الدعم السريع منظمة إرهابية، إلى جانب إثارة ملف الأسلحة الكيميائية المرتبط بالجيش، ما يعكس توظيفاً متزايداً لأدوات الضغط القانونية والسياسية لإعادة تشكيل موازين الصراع ودفع الأطراف نحو التفاوض.

ختاماً، لم يعد المشهد السوداني كما كان قبل مؤتمر برلين؛ إذ تشير المؤشرات الدبلوماسية والسياسية والميدانية إلى تحوّل نوعي في مسار الأزمة، يتجاوز منطق إدارة الصراع إلى محاولة فرض معادلة تُفضي إلى إنهائه. فتصاعد الضغوط الدولية، وتنامي التنسيق بين الفاعلين الإقليميين، وتقدّم الخطاب المدني نحو قدر أعلى من التماسك، جميعها عناصر تُضعف منطق الحرب وتعيد ترجيح كفة التسوية. صحيح أن الطريق لا يزال محفوفاً بالتعقيدات، لكن الثابت أن كلفة استمرار النزاع باتت أعلى من احتمالاته، وأن نافذة السلام، التي ظلت موصدة طويلاً، تبدو اليوم أكثر انفتاحاً من أي وقت مضى.