متلازمة حضن الوطن و حقوق الضحايا

في ظل النزاعات المسلحة والانتهاكات الجسيمة التي تطال المدنيين، يظل السؤال الأكثر إلحاحًا لدى الضحايا وأسرهم: هل يمكن أن يفلت مرتكبو جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية من العقاب؟ وهل يجوز منحهم العفو السياسي أو القانوني رغم ما ارتكبوه من فظائع؟ هذا السؤال عاد بقوة إلى الواجهة في السودان، خاصة في الأيام الماضية بعد الإعلان عن عودة النور قبة إلى ما سُمّي بـ”حضن الوطن”، عاد النور قبة برفقة قيادات ميدانيه اخري مثل محمود الوالي و محمد كفوه ،إبراهيم ابو كنيش ،علي تنقو و ضحية الامين.

حضن الوطن الذي يضم المجرمين و يلفظ ضحايا الحروب و الانتهاكات.

يُعد النور قبة أحد قيادات قوات الدعم السريع الذين شاركوا في حصار مدينة الفاشر حتى سقوطها، وتُوجه إليه اتهامات واسعة بالمسؤولية عن ارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، شملت القتل خارج نطاق القانون، حيث تشير المعلومات إلى مقتل ما لا يقل عن ستة آلاف مدني، إضافة إلى آلاف حالات الاختفاء القسري، وارتكاب جرائم عنف جنسي ممنهج ضد النساء. ورغم خطورة هذه الاتهامات، جرى الترحيب به ومنحه العفو من قبل حكومة بورتسودان، ولم تكن هذه السابقة الأولى، بل سبقه كيكل بعد أن قاد معارك الدعم السريع في ولاية الجزيرة، وحصل على ذات العفو.

هذا الواقع يفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول مشروعية العفو، وحدوده القانونية، ومدى توافقه مع قواعد القانون الدولي الإنساني، خاصة عندما يتعلق الأمر بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم ولا يجوز التهاون فيها.

العفو، في الأصل، هو إجراء قانوني يجوز منحه للأفراد المدانين بجريمة، ويُعد – إذا استُخدم بحكمة – عنصرًا مشروعًا في النظم القانونية حول العالم. لكنه يظل مسألة شديدة الحساسية، لأنه يتطلب موازنة دقيقة بين مصلحة المتهم أو المدان، وتحقيق العدالة، وحقوق الضحايا، ومصلحة المجتمع بأسره. فالعدالة لا تتعلق فقط بمعاقبة الجاني، بل أيضًا برد الاعتبار للضحايا، وجبر الضرر، ومنع تكرار الانتهاكات.

وينقسم العفو إلى نوعين رئيسيين: العفو الخاص والعفو العام. فالعفو الخاص هو قرار يصدر عادة من السلطة التنفيذية، كالرئيس أو رئيس الوزراء، ويؤدي إلى إلغاء العقوبة وإعادة الحقوق المدنية لشخص مدان، دون إسقاط الإدانة نفسها. أما العفو العام فهو إجراء تشريعي أو تنفيذي يمنع التحقيق أو الملاحقة القضائية لفرد أو مجموعة، وغالبًا ما يرتبط بجرائم ارتُكبت أثناء النزاعات المسلحة، ويترتب عليه إلغاء العقوبات السابقة أو منع فرضها أصلًا.

ورغم أن العفو قد يكون أداة سياسية أو قانونية لتحقيق الاستقرار أو التسوية، فإن القانون الدولي الإنساني يضع حدودًا واضحة له. فالدول ملزمة بالتحقيق في جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني ومعاقبة مرتكبيها، ولا يجوز لها منح عفو عام لمرتكبي جرائم مثل القتل، والتعذيب، والعنف الجنسي، واستهداف المدنيين، والإبادة الجماعية، وغيرها من الجرائم التي تُعد من أخطر الجرائم الدولية.

وهنا تبرز أهمية اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، التي تؤكد أن هذه الجرائم لا تسقط بمرور الزمن، مهما طال الزمن منذ ارتكابها. فقد نصت الاتفاقية على أن جرائم الحرب، كما ورد تعريفها في النظام الأساسي لمحكمة نورمبرغ واتفاقيات جنيف لعام 1949، وكذلك الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، سواء في زمن الحرب أو السلم، مثل الإبادة الجماعية، والفصل العنصري، والطرد الناتج عن الاحتلال أو العدوان، تظل قابلة للملاحقة والمحاكمة دون أي تقادم.

كما وسّعت الاتفاقية دائرة المسؤولية لتشمل ليس فقط الفاعلين الأصليين، بل أيضًا الشركاء، والمحرضين، والمتآمرين، وممثلي سلطة الدولة الذين يتسامحون مع ارتكاب هذه الجرائم أو يحمون مرتكبيها. وألزمت الدول باتخاذ جميع التدابير التشريعية والقانونية اللازمة لضمان تسليم المتهمين ومحاكمتهم، وإلغاء أي نص داخلي يسمح بإفلاتهم من العقاب.

إن منح العفو لأشخاص متهمين بارتكاب فظائع جماعية بحق المدنيين لا يمثل بعد تجاهلا لحقوق الضحايا و يهدد أسس العدالة نفسها كما يبعث برسالة خطيرة مفادها أن القوة والسلاح يمكن أن يكونا طريقًا للإفلات من المحاسبة.

يرسّخ العفو ثقافة الإفلات من العقاب، ويقوض الثقة في مؤسسات الدولة، ويعطل فرص المصالحة الحقيقية والسلام المستدام.

السؤال الذي يقلق مضاجع الضحايا وأسرهم لماذا لم يُحاسب الجناة، و كيف يمكن الحديث عن سلام وعدالة دون رد الحقوق، وكشف الحقيقة، وجبر الضرر، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم؟ والإجابة القانونية والأخلاقية على هذه الأسئلة نجدها بوضوح في مبدأ عدم التقادم، وفي قواعد القانون الدولي التي تؤكد أن العدالة قد تتأخر، لكنها لا تسقط، وأن جرائم الحرب لا تُمحى بقرار سياسي، و ان فشلت الدولة في محاسبة الجناة يمكن محاسبتهم اقليميا و دوليا كما في قضية كوشيب خصوصا ان ولاية المحكمة الجنائية الدولية ما زالت ممتدة للنظر في جرائم الحرب في ولايات دارفور .

 

نون كشكوش

المحامية و الخبيرة القانونية