“الدولار يشتعل والوقود يلتهب”.. السودان بين قرارات حكومية قاسية وعاصفة حرب إيران

في وقتٍ تتسارع فيه التحولات الإقليمية، يجد السودان نفسه في قلب عاصفة اقتصادية مزدوجة: ضغوط داخلية لضبط سوق الصرف، وتداعيات خارجية متزايدة نتيجة الحرب في المنطقة، التي انعكست مباشرة على أسعار الوقود ومعيشة المواطنين.

أعلنت اللجنة الاقتصادية العليا، برئاسة رئيس الوزراء كامل إدريس، حزمة إجراءات جديدة تستهدف كبح تدهور سعر الجنيه السوداني، في محاولة لاحتواء الفجوة المتزايدة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية، التي باتت تعكس اختلالات عميقة في الاقتصاد الوطني.

وقال وكيل وزارة الثقافة والإعلام والسياحة، جراهام عبدالقادر، إن اللجنة اطمأنت على توفر السلع الاستراتيجية واحتياطات النقد الأجنبي، لكنها أقرت في الوقت ذاته جملة من التدابير الصارمة، أبرزها الحد من استيراد السلع الكمالية، وتعزيز الصادرات، وتشجيع تحويلات المغتربين عبر القنوات الرسمية.

كما شملت الإجراءات ضبط حصائل الصادرات، وترشيد الإنفاق الحكومي، ومنع الجبايات غير القانونية، إلى جانب تسريع استكمال مشروع استبدال العملة، وإلزام المؤسسات الحكومية بالتحصيل الإلكتروني عبر منصة “بلدنا”، في خطوة تهدف لتعزيز الشفافية ومحاربة الفساد.

ورغم هذه المساعي، لا تزال الفجوة قائمة، إذ يبلغ سعر الدولار في البنوك نحو 3350 جنيهاً للشراء و3375 للبيع، بينما يتجاوز في السوق الموازية 3600 جنيه، ما يعكس استمرار الضغوط على العملة المحلية.

لكن التحدي الأكبر لا يأتي فقط من الداخل.

فعلى بعد آلاف الكيلومترات، ألقت الحرب في المنطقة—وخاصة التوترات المرتبطة بإيران—بظلالها الثقيلة على الاقتصاد السوداني، مع ارتفاع ملحوظ في أسعار الوقود والسلع الأساسية خلال الأيام الماضية.

في أم درمان، شمال الخرطوم، يصف مواطنون الزيادات بأنها “صادمة”، إذ ارتفع سعر تعبئة الوقود من نحو 22 ألف جنيه إلى 33 ألفاً، ما انعكس مباشرة على تكلفة النقل وأسعار السلع، في سلسلة تضخمية تضرب الفئات الأكثر هشاشة.

ويقول سائقون إن ارتفاع الوقود قلّص من نشاطهم اليومي، بينما يؤكد مواطنون أن تكاليف المعيشة باتت تتجاوز قدرتهم، في ظل غياب حلول سريعة.

ورغم تطمينات وزير الطاقة والنفط، المعتصم إبراهيم، بأن تأثير الحرب “محدود”، إلا أن الواقع في الأسواق يشير إلى عكس ذلك، خاصة بعد القيود التي فرضتها إيران على الملاحة في مضيق هرمز، ما أدى إلى اضطرابات في إمدادات الطاقة عالمياً.

وبين محاولات الحكومة لاحتواء الأزمة داخلياً، وضغوط الأسواق العالمية خارجياً، يقف المواطن السوداني في مواجهة موجة غلاء جديدة، تطرح تساؤلات ملحّة حول قدرة السياسات الحالية على تحقيق الاستقرار المنشود.