
معركة العملة بالسودان.. تآكل القوة الشرائية ومخاطر الركود التضخمي
الخرطوم ،الغد السوداني ،أمين محمد الامين- بات سباق العملات الأجنبية في الأسواق الموازية بمثابة الثقب الأسود الذي يمتص القيمة الفعلية للأجور والمدخرات، واضعاً معاش المواطن السوداني أمام اختبار قاصٍ ومستمر. هذا التراجع المتسارع للجنيه يكشف بوضوح عن عمق الأزمات الهيكلية المتراكمة، والتي تتشابك فيها معضلات غياب التنسيق السياساتي بين وزارات القطاع الاقتصادي، مع الاعتماد الطويل على تصدير المواد الخام دون الاستفادة من ميزة القيمة المضافة.
اختلال مزمن
أكد الخبير والباحث الاقتصادي، الأستاذ الرشيد معتصم، أن الابتداء بتوصيف خاطئ للأزمة ينتهي بالضرورة إلى نتائج خاطئة؛ موضحاً أن المشكلة الأساسية للاقتصاد لا تكمن في تصاعد قيمة الدولار بحد ذاته وجعل ملاحقته هدفاً وحيداً، واعتبر معتصم أن التوصيف العلمي الدقيق يكمن في “الاختلال المزمن لميزان المدفوعات”، الناتج عن عجز البيئة السياسية والاقتصادية الداخلية عن سد الفجوة الناجمة عن تراجع قطاع الصادرات؛ مشدداً على ضرورة إحاطة هذا القطاع بالرعاية الشاملة لتقليص العجز في ميزان التجارة الخارجية.
تسهيل إجراءات
ودعا الباحث الاقتصادي إلى تبني حزمة عاجلة من الإجراءات، يأتي على رأسها مراجعة اللوائح والسياسات التمويلية، وتوجيهها بمرونة نحو التمويل الصغير والمتوسط لمعالجة الفقر وتوسيع قاعدة المنتجين، وزيادة الحوافز للمصدرين بتسهيل الإجراءات الإدارية وتخفيف عبء الضرائب عن القطاعات الإنتاجية. وفي الجانب التشريعي، طالب معتصم بمراجعة القوانين لمحاصرة الأنشطة غير المشروعة وعلى رأسها عمليات التهريب التي تشكل مهدداً سيادياً في أوقات الحروب.
تنسيق محكم
ويرى معتصم أن تجاوز الراهن المعقد يستلزم تنسيقاً محكماً بين وزارات القطاع الاقتصادي (المالية، التجارة والصناعة، الزراعة، والثروة الحيوانية) بالتكامل مع بنك السودان المركزي، فضلاً عن تحويل الولايات إلى محاور تنموية مستقلة بناءً على الميزات النسبية لكل إقليم لبناء صناعات ذات قيمة مضافة عالية. وأشار الباحث إلى وجود قطاعات ذات عائد سريع مثل الصناعات التحويلية، داعياً إلى استكشاف اقتصاديات دول الجوار عبر تفعيل أدوار وزارة الخارجية والملحقيات التجارية لفتح أسواق جديدة لصادرات السلع والخدمات السودانية.
تراجع العملة
من جهته، أكد الخبير الاقتصادي، الأستاذ سماح الفاتح، أن الاقتصاد السوداني يمتلك مزايا جوهرية تتقدمها المرونة العالية، ومستشهداً بقرار إعفاء مدخلات الطاقة الشمسية الذي أحدث ثورة في الاستخدامات الزراعية والتجارية والسكنية محققاً خفضاً مباشراً في تكاليف الإنتاج. وأوضح الفاتح أن تراجع قيمة العملة يعود لاختلال الميزان التجاري وضعف قطاع الصادر الذي يعتمد على تصدير المواد الخام غير المصنعة، مما يفقد البلاد ميزة القيمة المضافة.
تدمير المنشآت
وعزا الفاتح ضعف البيئة الاستثمارية إلى التذبذب المستمر للسياسات المالية والنقدية للحكومات المتعاقبة مما يضعف الثقة، بجانب عقبة ضعف البنية التحتية، وارتفاع تكلفة المنتج الوطني نتيجة للرسوم المركبة وتكلفة الترحيل، فضلاً عن نقص الأيدي العاملة الماهرة. ونبّه إلى أن “الحرب الراهنة” غدت السبب المباشر والأعنف في انهيار الجنيه؛ بفعل تدمير المنشآت الإنتاجية، ونزوح السكان، وتصاعد الصرف العسكري، وشلل الاستثمار، وهروب رؤوس الأموال.
مهدد مباشر
وحذر الفاتح من أن تآكل القوة الشرائية تجاوز حدود كونه مشكلة دخل مؤقتة، ليتحول إلى مهدد مباشر للأمن القومي والغذائي والاجتماعي؛ حيث يقود لبروز ظاهرة الركود التضخمي، وتراجع قدرة الأسر على تأمين الغذاء، وتفشي أمراض سوء التغذية والأوبئة، مما ينعكس سلباً على كفاءة القوى البشرية وساعات الإنتاج الفعلي المؤثرة في الناتج المحلي الإجمالي (GDP).
ونبه الخبير إلى أن انكماش القطاع الزراعي بسبب ارتفاع تكاليف المدخلات وشح التمويل يرفع الاعتماد على الاستيراد، محذراً من أن تصاعد معدلات النزوح يخلق توترات مناطقية ونزاعات حول الموارد، ويفتح الباب أمام التدخلات الخارجية عبر المنظمات المشبوهة.
انهيار تام
واختتم الفاتح بالإشادة بالدور الاستثنائي للقطاع الخاص السوداني، مؤكداً أن مرونته هي التي حمت الاقتصاد من الانهيار التام، موجهاً نصيحة قطعية للحكومة بضرورة رعاية وتنظيم وتقوية هذا القطاع صمام أمان للبلاد.
ثورة شاملة
يكشف هذا التقرير المعمق أن معركة استقرار العملة الوطنية ليست مجرد مطاردة أمنية لأسواق الصرف الموازية، بل هي مواجهة هيكلية تتطلب ثورة شاملة في منظومة الإنتاج والتصدير. إن تآكل القوة الشرائية والنزيف المستمر لقيمة الجنيه هما عرضٌ لمرضٍ أكثر عمقاً، يتلخص في الاختلال المزمن لميزان المدفوعات والدمار الذي ألحقته الحرب بمفاصل الاقتصاد الحقيقي.
كبح التضخم
إن رهان الخروج من هذه الدائرة المفرغة يمر حتماً عبر تبني نصائح الخبراء؛ بتنسيق وزاري محكم، وتحويل الولايات إلى محاور إنتاج زراعي وصناعي ذات قيمة مضافة، مع توفير الحماية الشاملة للقطاع الخاص. وبدون سياسات نقدية مرنة قادرة على كبح التضخم وتحفيز الصادرات، سيبقى المواطن السوداني يواجه تداعيات الركود التضخمي الشاخص.
