
من سلة غذاء محتملة إلى بلد مهدد بالمجاعة.. كيف دفعت الحرب السودان نحو خسارة 40% من محاصيله؟
في الحقول الممتدة بمنطقة القريشة شرقي ولاية القضارف بالسودان، يقف المزارع السوداني محمد عبدالقادر أمام أرضه التي تقلصت مساحتها هذا العام إلى النصف تقريباً. قبل الحرب، كان الرجل يزرع الذرة والسمسم في عشرات الأفدنة، أما اليوم فلم يعد قادراً حتى على تشغيل مضخة المياه بصورة منتظمة بعد الارتفاع الجنوني في أسعار الوقود.
يقول عبدالقادر لـ«الغد السوداني» إن الزراعة في السودان تحولت إلى “مغامرة خاسرة”، مضيفاً: كل شيء تضاعف.. الوقود، الأسمدة، الترحيل وحتى أجور العمال، بينما المواطن نفسه لم يعد قادراً على شراء الغذاء”.
ومع دخول الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع عامها الرابع، تتزايد التحذيرات من انهيار وشيك للموسم الزراعي، في بلد يعتمد غالبية سكانه على الزراعة والرعي كمصدر أساسي للعيش.
فقد حذرت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة “الفاو” من أن السودان قد يفقد ما يصل إلى 40% من إنتاجه الزراعي هذا الموسم إذا لم يحدث تدخل عاجل لدعم القطاع المنهك بالحرب والانهيار الاقتصادي.
حرب تتجاوز ساحات القتال
الأزمة الزراعية في السودان لم تعد مرتبطة فقط بالمعارك المباشرة أو تدمير المشاريع الزراعية، بل أصبحت جزءاً من تداعيات اقتصادية إقليمية أوسع، بعد ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة عالمياً بفعل التوترات والحروب في المنطقة.
ويقول مزارعون وخبراء إن تكاليف الزراعة هذا العام بلغت مستويات غير مسبوقة، ما دفع آلاف المنتجين إلى تقليص المساحات المزروعة أو التخلي عن الزراعة بالكامل. وبحسب تقديرات أممية، ارتفعت أسعار الأسمدة في السودان بنسبة 167%، بينما قفزت أسعار الوقود بأكثر من 220% مقارنة بفترة ما قبل الحرب.
ويعتمد السودان بصورة كبيرة على استيراد الوقود والأسمدة، خصوصاً من دول الخليج، في وقت أدت فيه الحرب الداخلية إلى تعطيل شبكات النقل والإمداد وتدمير أجزاء واسعة من البنية التحتية.
الحقول تقلصت.. والخوف من المجاعة يتسع
في مشروع الجموعية الزراعي جنوب أم درمان، كان المزارعون يأملون في استعادة النشاط الزراعي بعد خروج قوات الدعم السريع من المنطقة العام الماضي، لكن الآمال سرعان ما اصطدمت بواقع اقتصادي قاسٍ.
ويقول مزارعون إن تكلفة زراعة الفدان الواحد تضاعفت عدة مرات، بينما تراجعت قدرة البنوك على تمويل الموسم الزراعي، خصوصاً في ولايات دارفور وكردفان التي تعرضت بنوكها للتدمير أو التوقف الكامل.
المزارع الطيب حسن، الذي يزرع الذرة والدخن في ولاية الجزيرة، يؤكد أن كثيراً من المزارعين اضطروا إلى تقليل المساحات المزروعة هذا العام بسبب العجز عن شراء الوقود والتقاوي. ويضيف: “في السابق كنا نخشى الجفاف، الآن نخشى الحرب والأسعار معاً”.
وتعتمد الزراعة الصيفية في السودان بصورة أساسية على الأمطار خلال الفترة بين يوليو وأكتوبر، لزراعة محاصيل استراتيجية مثل الذرة والسمسم والفول السوداني وعباد الشمس.
لكن موسم 2025 شهد تأخراً في هطول الأمطار وفترات جفاف متقطعة أثرت على نمو المحاصيل، في وقت ما تزال فيه مشاريع الري الكبرى مثل الجزيرة والرهد والسوكي تعاني آثار الدمار والإهمال.
أرقام تكشف عمق الأزمة
تشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن إنتاج الحبوب في السودان انخفض العام الماضي إلى 5.2 مليون طن، بتراجع بلغ 22% مقارنة بالموسم السابق، وأقل بنسبة 19% من متوسط السنوات الخمس الأخيرة.
كما تراجع إنتاج الذرة الرفيعة، التي تعد الغذاء الرئيسي لملايين السودانيين، إلى نحو 4 ملايين طن فقط.
وفي بلد يواجه بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، تبدو هذه الأرقام بمثابة إنذار مبكر لكارثة غذائية أكبر. فبحسب المرصد العالمي للجوع المدعوم من الأمم المتحدة، يواجه نحو 19.5 مليون سوداني مستويات حادة من الجوع، بينما تواجه بعض المناطق خطر المجاعة الفعلية.
ويقول المحلل في الأمن الغذائي بمنظمة “الفاو” صادق الأمين إن الحرب الإقليمية الأخيرة “زادت الطين بلة”، محذراً من أن استمرار ارتفاع تكاليف الإنتاج قد يؤدي إلى انهيار واسع في الموسم الزراعي الحالي.
السودان.. من مشروع غذائي إلى بؤرة جوع
لطالما وُصف السودان بأنه “سلة غذاء العالم العربي”، نظراً إلى امتلاكه مساحات زراعية شاسعة وموارد مائية وثروة حيوانية ضخمة. وجذبت هذه الإمكانات خلال العقود الماضية استثمارات خليجية كبيرة، خصوصاً في مجالات القمح والأعلاف والزيوت.
لكن عقوداً من الحروب وسوء الإدارة والانقلابات السياسية أضعفت القطاع الزراعي تدريجياً، قبل أن تأتي حرب أبريل 2023 لتدفعه إلى حافة الانهيار الكامل.
ويعمل نحو 80% من السودانيين في الزراعة والرعي، بينما يسهم القطاع الزراعي بنحو 31.8% من الناتج المحلي الإجمالي، وفق بيانات بنك السودان المركزي. غير أن الحرب لم تدمر فقط البنية التحتية الزراعية، بل شلت أيضاً سلاسل الإمداد والأسواق وعمليات التصدير، ما أدى إلى خسائر فادحة للمزارعين والمنتجين.
جوع يهدد المدن والقرى
داخل الأسواق السودانية، بدأت آثار الأزمة الزراعية تظهر مبكراً في شكل ارتفاعات متواصلة لأسعار الحبوب والزيوت والخضروات. ويقول خبراء إن تراجع الإنتاج المحلي سيؤدي إلى زيادة الاعتماد على الواردات في وقت يعاني فيه السودان انهياراً حاداً في العملة المحلية وشحاً في النقد الأجنبي.
كما يخشى مراقبون من أن يؤدي اتساع رقعة الجوع إلى موجات نزوح جديدة، خصوصاً في المناطق الريفية التي تعتمد كلياً على الزراعة الموسمية.
ويحذر العاملون في المجال الإنساني من أن فقدان جزء كبير من الموسم الزراعي الحالي لن تكون نتائجه مؤقتة، بل قد تمتد لسنوات مقبلة، مع تآكل قدرات الأسر الزراعية وتراجع مخزون البذور وانهيار شبكات الري. وفي ظل استمرار الحرب وتعثر جهود السلام، يبدو السودان اليوم أمام معركة أخرى لا تقل خطورة عن المعارك العسكرية “معركة البقاء والغذاء”.
