
زواج القاصرات في السودان.. كيف سلبت الحرب طفولة الفتيات تحت ذريعة الحماية؟
تقرير ، الغد السوداني – أدت حرب 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع ليس فقط إلى تدمير البلاد، بل سلبت الفتيات طفولتهن من خلال الزواج المبكر، حيث بدأت بعض الأسر في تزويج بناتهن كوسيلة لحمايتهن من العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات. ويُعد الزواج المبكر من أكثر القضايا الاجتماعية تعقيدا.
ويعكس تداخل عوامل تاريخية وثقافية واقتصادية،وعلى الرغم من ازدياد الاهتمام بهذه الظاهرة في السنوات الأخيرة، فإنها لا تزال تنتشر بالعديد من المناطق، خاصة الريفية منها، وتلعب الأعراف والتقاليد دورا كبيرا في استمرارها.
سلب طفولة:
ودعت “سُلينة” في ساعات عجز عالم الطفولة واللعب والأحلام تحت تهديد الخوف من الاعتداء والاغتصاب، إلى عالم الكبار بمسؤولياته ومتطلباته.
قبل بضع سنوات، كانت بنت الخمسة عشر ربيعا تستيقظ كل صباح متجهة إلى مدرستها، لكن الحرب التي اجتاحت البلاد غيرت مسار حياتها، فبدلا عن متابعة دراستها، وترتيب كتبها ودفاترها وجدت نفسها عروسا ترتب منزلها، وتغسل أطباقها، بعد أن قررت أسرتها تزويجها لحمايتها من العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات.
وهي تحكي قصة سلب طفولتها بزواجها المبكر من أحد أقربائها في مارس/ آذار 2024.
تحدثت بصوت خافت، وتوقفت للحظة قبل أن تستكمل حديثها كان السبب الأكبر لزواجي الخوف من الخطف والاغتصاب.
ومع سوء الأوضاع وتصاعد الاشتباكات وانعدام الأمن تقول: “سُلينة” في مقابلة مع “الغد السوداني” وهي تقيم بحي الفردوس بمدينة القضارف إن القرار كان صعب للغاية، حياتي كانت عادية وطبيعية كنت أدرس بالصف الأول، في مدرسة “ذات النطاقين الثانوية للبنات” وسط المدينة، لكن بعد الزواج لم تعود الحياة كما كانت فتغير كل شيء، ، واسترسلت كنت أحلم مثل الكثير من صديقاتي بإنهاء تعليمي وأن أصبح طبيبة، لكن زواجي المبكر أوقف مستقبلي إلى أجل غير مسمى.
وتابعت: ليس لدي خيار آخر في ذلك الوقت ولم تكن لي القدرة على الرفض، والخوف من الاغتصاب والخطف كانا أكبر دافع للزواج، ولم يكن لدي خيار آخر للنجاة لاسيما وأن أسرتي كانت تعتقد انه طوق نجاتي ووسيلة حمايتي.
حماية من العنف:
سُلينة واحدة من آلاف ضحايا الزواج المبكر الذي تزايد بصورة مخيفة خلال فترة الحرب، وطبقاً لمنظمة صيحة أن الإنذار المبكر العامل في ولاية القضارف رصد (71) حالة زواج لطفلات في ولاية القضارف شرق البلاد، خلال الفترة من أبريل 2023 حتى فبراير 2026.
وتقول صيحة في إفادة لـ”الغد السوداني” وهي منظمة متخصصة في قضايا النساء أن الأرقام والبيانات الواردة لا تمثل الحجم الكلي للظاهرة في الولاية، وهناك فجوة كبيرة في المعلومات بسبب محدودية الوصول إلى المناطق الخاضعة لسيطرة أطراف النزاع، وضعف المعرفة بآليات التبليغ في المجتمعات الريفية ومناطق النزاع النشط.
وتشير المنظمة إلى أن بعض الأسر تقوم بتزويج بناتها بدافع الحماية من العنف الجنسي أو الاختطاف، بجانب التدهور الاقتصادي الحاد وفقدان سبل العيش الذي دفع الأسر إلى استخدام الزواج لتخفيف عبء الإعالة، حيث أصبح المهر في بعض الحالات مورداً مالياً للبقاء، وفي بعض المناطق لم تستطع الأسر رفض عروض الزواج من العناصر مسلحة خوفاً من الانتقام.
وبحسب المنظمة أن البيانات تشير إلى نحو 30% من حالات الزواج في ولاية القضارف كانت بسبب الخوف من العنف المحتمل، بينما تبقى أوضاع الفتيات في مناطق النزاع النشط غير معروفة.
وتقول المنظمة هناك حالات متعددة من التزويج القسري لفتيات على يد عناصر من المجموعات المسلحة، ولا سيما قوات الدعم السريع، وتوضح أن التزويج القسري في عدد من الحالات يرتبط بأنماط أخرى من الانتهاكات، مثل الخطف والاختفاء القسري، الذي أثر على قرارات بعض الأسر المتعلقة بتزويج القاصرات في ظل نزوح أكثر من مليون لاجئ وملايين النازحين داخلياً، حيث أصبحت مسألة الاستقرار أولوية لكثير من العائلات.
بحث عن أمن واستقرار:
وتلفت “صيحة” إلى أن بعض حالات الزواج وسيلة لضمان بقاء الفتاة في منطقة آمنة ومستقرة، خصوصاً بعد فقدان الأسر للمسكن ومصادر العيش.
وحول الآثار الصحية لتزويج القاصرات أفادت المنظمة بوجود حالة وفاة واحدة، واصابة حوالي 40% من الأمهات الطفلات بفقر الدم، مع تأثر أطفالهن، علاوة على اصابة 1% بمرض السل.
وطبقاً لمنظمة “اليونسيف” يعود انتشار الزواج المبكر في السودان إلى جذور تاريخية مرتبطة بالمجتمع التقليدي، وكان يتم الزواج بسبب تعزيز الروابط الأسرية والقبلية وضمان الاستقرار الاجتماعي، خاصة في المناطق الريفية.
تفاقم الظاهرة:
ومع اندلاع الحرب في العام 2023، تؤكد تقارير الأمم المتحدة ارتفاع معدلات زواج القاصرات في السودان خاصة في المناطق الريفية ومخيمات النزوح. ووفقاً لبيانات منظمة اليونيسف، فإن 34% من النساء في السودان تزوجن قبل سن 18 عاماً، بينما تزوجت 12% منهن قبل سن 15 عاماً. وحوالي 5.1 ملايين فتاة وامرأة في السودان تزوجن في سن الطفولة. كما تظهر البيانات انتشار أعلى للظاهرة في المناطق الريفية نحو (39%) مقارنة بالحضر (29%).
جريمة وعقاب:
وفي السياق ذاته يقول المأذون شرعي فضل حجب اسمه أن قانون الطفل في السودان يمنع إبرام عقد الزواج قبل بلوغ سن الثامنة عشرة ويعد أي عقد للزواج دون هذا السن مخالفة قانونية وفي حال حدوث ذلك، يتم معاقبة المأذون بسحب الدفتر الرسمي.
ويؤكد المأذون لـ”الغد السودان” أن الشريعة الإسلامية تبيح زواج القاصرات وفق ضوابط معينة، بينما المادة (4) من قانون الطفل لعام 2010 تمنع ذلك وتنص على (كل شخص لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره) هناك تعارض تشريعي بين قانون الطفل 2010 (يعتبر أقل من 18 طفلاً)، وقانون الأحوال الشخصية 1991 الذي يسمح بزواج القاصرات في حالات معينة بإذن الولي والقاضي.
وأكد المأذون أن الجهات المختصة شددت على ضرورة الالتزام بتوثيق العقود خلال فترة الحرب بعد رصد حالات لعقود زواج أبرمت دون وثائق رسمية، إلى جانب تزويج القاصرات.
وسيلة حماية:
ويرى المأذون وهو من المؤيدين للزواج المبكر، أنه وسيلة لحماية الفتيات من مخاطر العنف والاختطاف في ظل الظروف الأمنية التي تمر بها البلاد، وفي الوقت ذاته هناك آخرون يدعون إلى الالتزام بالقانون وحماية حقوق القاصرات.
إبرام وتوثيق العقود:
وبحسب تقارير صحفية سابقة، أن المأذون الشرعي هو الشخص الذي يتولى إبرام وتوثيق عقود الزواج وفقا لأحكام الشريعة الإسلامية وقوانين السودان تحت إشراف السلطة القضائية ممثلة في المحاكم الشرعية، وتختلف شروط التعيين من ولاية إلى أخرى.
وتقول التقارير أن عمل المأذون يستند إلى قانون الأحوال الشخصية للمسلمين لسنة 1991م، الذي يعد المرجعية القانونية الأساسية لتنظيم مسائل الزواج.
وأكدت المادة (40) أهمية توثيق الزواج وإثباته وتنص على أنه: “يثبت الزواج بوثيقة رسمية، ويجوز إثباته بالبينة عند الإنكار، وذلك وفقاً لأحكام قانون الإثبات”.
ولا يقتصر تنظيم عمل المأذون على هذا القانون، إنما يشمل لوائح تنظيم عمل المأذونين الصادرة عن السلطة القضائية السودانية، والتي تنظم إجراءات التعيين والرقابة والمساءلة. وتنص هذه اللوائح على أن المأذون يعمل بتفويض رسمي من المحكمة المختصة، ويخضع لإشرافها المباشر.
ووفقاً لمو١قع قوانين السودان تنص اللوائح التنظيمية على أنه: “يجوز للمحكمة المختصة إيقاف المأذون عن العمل أو سحب ترخيصه في حال مخالفته لأحكام القانون أو اللوائح، أو إخلاله بواجباته المهنية، أو فقدانه أحد شروط التعيين”.
كما تسند مساءلة المأذون إلى قواعد عامة، مثل قانون الإثبات السوداني لسنة 1994م فيما يتعلق بحجية المستندات، وقانون الإجراءات المدنية في جانب الإشراف القضائي.
وبين الموقع أن المخالفات التي تؤدي إلى سحب الترخيص تتمثل في، توثيق زيجات دون استيفاء الأركان الشرعية، أو عدم تسجيل العقود رسميا، أو التلاعب في البيانات.
عادات وتقاليد:
وفي سياق متصل اعتبرت المختصة في شؤون المرأة والطفل الدكتورة أماني كاشف، في حديثها لـ”الغد السوداني” انتشار تزويج القاصرات في السودان، وخاصة في ولاية القضارف، انتهاكاً لحقوق الطفلة، وأنه يتعارض مع القانون الدولي لحقوق الطفل ومع الاتفاقيات الدولية التي وقع عليها السودان، وتقول أن القانون السوداني يفتقر إلى نص واضح يمنع زواج القاصرات ويسمح بزواج الفتيات دون سن 18.
وترجع أماني انتشار تزويج القاصرات إلى الفقر، والعادات والتقاليد، بالاضافة إلى الخوف من وصمة “البايرة”، والرغبة في “السترة”.
وتشرح المخاطر الصحية للزواج المبكر وتشمل الحمل المبكر، الإجهاض، والموت أثناء الولادة، وكذلك مخاطر نفسية الاكتئاب، القلق، والاضطرابات النفسية، بالاضافة إلى مخاطر اجتماعية الانقطاع عن التعليم، الفقر، والعنف الزوجي.
ونوهت إلى أن الخوف من وصمة “البايرة” والرغبة في “السترة” ساهما بشكل كبير في دفع الأسر لاتخاذ قرارات ضرت ببناتهم، حيث يعتقد الأهل أن زواج الفتاة يحميها من العار ويضمن لها الاستقرار المالي.
وتؤكد أماني أن الزواج لا يوفر حماية حقيقية للفتيات من الاختطاف والاغتصاب، بل يزيد من استهدافهن، ويصبحن أكثر عرضة للعنف الزوجي والاستغلال.
وطالبت بحماية الطفلات من الزواج المبكر عبر تعزيز الوعي بأضراره، وتوفير التعليم للفتيات، وتطبيق القوانين التي تحظر الزواج المبكر، بالاضافة إلى دعم الأسر الفقيرة لتقليل الضغوط الاقتصادية، وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للفتيات المعرضات للخطر .
مخاطر زواج الأطفال:
وبدورها تؤكد مبادرة الآمال للسلام والتنمية الشبابية بولاية القضارف، انتشار الزواج المبكر بالولاية خلال الفترة من أبريل 2023 حتى فبراير 2026 بنسبة تقدر بحوالي 80% رغم غياب الإحصاءات الرسمية.
وأرجعت رئيسة المبادرة آمال يوسف عبد الرحيم، إرتفاع نسبة تزويج القاصرات بالقضارف إلى تردي الأوضاع الاقتصادية، و انتشار الأمية وعدم التعليم، والخوف من الوصمة الاجتماعية.
وحذرت آمال في تصريح لـ”الغد السوداني” من مخاطر زواج الأطفال موضحة أن أبرزها، زيادة احتمالات مضاعفات الولادة، وارتفاع معدلات وفاة الأمهات، فضلاً عن وجود مخاطر نفسية كالخوف والقلق والاضطرابات النفسية، على جانب المخاطر الاجتماعية مثل العزلة الاجتماعية والتسرب من التعليم.
وقطعت أن المبادرة تسعى إلى الحد من الزواج المبكر والقضاء عليه عبر إجراء دراسات ومسوحات ميدانية، وتنفيذ برامج توعوية، علاوة على توفير مساحات آمنة للفتيات والنساء، والتنسيق مع الجهات ذات الصلة.
وتلفت إلى أن المبادرة تعمل على تمكين الاسر اقتصادياً للحد من الضغوط التي تؤدي إلى زواج الأطفال والتوعية بالقوانين.
وكشفت رئيسة المبادرة عن خطط ومشاريع مستقبلية تضم، توفير مأوى ورعاية للأطفال فاقدي السند ودمجهم في المجتمع، والتوسع في التعليم والحضانات بالتركيز على تعليم الفتيات، ومكافحة زواج الأطفال، وتضيف أن المبادرة تواجه تحديا كبيرا يتمثل في نقص التمويل.
وبدورها اتفقت مديرة المشاريع بوحدة مكافحة العنف ضد المرأة، زينب معتصم مع سمية وتقول: هناك انتشار واسع لزواج القاصرات في ولاية القضارف خصوصاً خلال الحرب، مؤكدة قيام الوحدة بدورها في العمل مع المنظمات الوطنية والمبادرات الشبابية بالتوعية بمخاطر الزواج المبكر بصورة دورية في كل المحليات، وتوعية بالتشريعات والقوانين والمفاهيم الدينية للحد من الظاهرة.
وارجعت زينب في حديثها لـ”الغدالسوداني” انتشار الزواج المبكر إلى العادات والتقاليد الموروثة وأنه أصبح نوع من انواع الحماية خلال فترة الحرب.
وتؤكد زينب أن الوحدة تتبع الإجراءات القانونية حسب قانون الطفل وقانون الأحوال الشخصية بالتعاون مع وحدة حماية الأسرة والطفل ومجلس رعاية الطفولة ومجمع الفقه الإسلامي، للحد من الظاهرة.
غياب إحصاءات:
فيما قطعت وزارة الرعاية الاجتماعية السودانية، بعدم وجود إحصاءات رسمية توضح عدد حالات زواج القاصرات خلال الفترة من أبريل 2023 حتى 2026. أوضحت الوزيرة الدكتورة سليمة إسحق، في تصريح خاص لـ”الغد السوداني”، أن الظروف التي فرضتها الحرب ساهمت في زيادة هشاشة الفتيات وتعريضهن لمخاطر متعددة وأن النزوح من المدن إلى المناطق الريفية أدى إلى تعطل العملية التعليمية وضياع سنوات من التعليم، إلى جانب تدهور الأوضاع الاقتصادية وضعف أنظمة الحماية، سواء في مناطق النزوح أو في مناطق سيطرة قوات الدعم السريع، الأمر الذي قاد بعض الأسر إلى تزويج الفتيات القاصرات باعتباره وسيلة للحماية، رغم أن الزواج لا يضمن لهن الأمان، وقد يعرضهن للاستغلال أو التحرش.
وأضافت أن العامل الاقتصادي كان يلعب دورا أساسيا في انتشار زواج الطفلات حتى قبل اندلاع الحرب، وأنها فاقمت هذه الظاهرة.
وحذرت اسحاق من المخاطر الصحية التي تواجهها الطفلات الحوامل، إذ يحتجن إلى رعاية طبية خاصة لا تتوفر في كثير من المناطق ما يعرضهن لمضاعفات خطيرة قد تصل إلى الوفاة، فضلاً عن حرمانهن من مواصلة التعليم.
وبينت أن بعض حالات الزواج تتم بدافع ما يعرف بـ”السترة” أو لتجنب الوصمة الاجتماعية، حيث لا يرغب المجتمع في تحمل ما يعتبره عبئاً يتعلق بالفتيات.
وأكدت أسحاق أن الزواج لا يمكن أن يكون وسيلة حماية حقيقية للفتيات، مشيرة إلى أن العديد من المتزوجات أنفسهن يتعرضن للعنف.
واعتبرت الزواج القسري جزءاً من العنف الجنسي المرتبط بالحرب، داعية إلى تعزيز حماية الفتيات بتوسيع فرص التعليم والتوعية المجتمعية وتحسين الأوضاع الاقتصادية، لأن الحماية الحقيقية لا تتمثل في الزواج المبكر، بل في دور المجتمع وإتاحة التعليم وتوفير بدائل اقتصادية أفضل للأسر.
