«الأسعار دي حتستقر متين؟».. جولة في أسواق الخرطوم تكشف فاتورة الغلاء

الخرطوم/ الغدالسوداني – منى وداعه – لم يكن الطريق من جنوب الخرطوم إلى شمالها مجرد مسافة تعبرها سيارة في صباح عادي. كان أشبه بجولة داخل فاتورة مفتوحة، تبدأ بالوقود والترحيل، وتمر بالخضار واللحوم والدقيق والسكر، وتنتهي عند المواطن الذي يضطر كل يوم إلى إعادة ترتيب احتياجاته وفقاً لما تبقى في جيبه.

من الصينية إلى السوق المركزي، تتغير الواجهات والبضائع، لكن المشهد يكاد يكون واحداً، أسعار تتحرك إلى الأعلى، ومستهلك يقلل مشترياته، وتاجر يحاول اللحاق بتكلفة ارتفعت عليه قبل أن تصل السلعة إلى يده.

في السوق، لا يحتاج الأمر إلى كثير من الأسئلة لاكتشاف حجم الضغوط. مواطن يسأل عن السعر، يتردد، ثم يطلب كمية أقل. وآخر يترك سلعة كان قد جاء لشرائها بعدما اكتشف أنها تجاوزت ميزانيته.

يقول أحد تجار المواد الغذائية إن عدم استقرار الأسعار أصبح مشكلة يومية.

«المشكلة إنو السعر ما ثابت. نحن بنشتري اليوم بسعر، وبكرة ممكن نلقى زيادة. لو بعنا بالسعر القديم بنخسر، ولو رفعنا السعر المواطن بقول التاجر غالي».

الخضار.. أول محطة في رحلة الغلاء

عند بائعي الخضار، تبدو سلسلة التكلفة أكثر وضوحاً.

يقول أحد الباعة إن سعر الخضار لا يبدأ من السوق، بل قبل وصولها إليه، مشيراً إلى تكلفة الوقود والترحيل والنقل من مناطق الإنتاج.

«الخُضرة ذاتها غالية علينا. العربية البتجيبها من مناطق الإنتاج عندها وقود وترحيل، وكل زيادة هناك بتصل لينا. نحن ما بنحدد السعر براونا».

وبالقرب منه، كان أحد المواطنين يختار كميات محدودة من الخضار، في مشهد يتكرر كثيراً داخل السوق: المشتري يقلل الكمية، والبائع يبحث عن سعر يضمن استمرار عمله، بينما تتسع المسافة بين الدخل وتكلفة المعيشة.

اللحمة.. من وجبة معتادة إلى «حساب»

في سوق اللحوم، تبدو الضغوط أكثر وضوحاً.

يقول أحد الجزارين إن ارتفاع سعر الماشية والعلف والترحيل والتكاليف التشغيلية ينعكس في النهاية على سعر الكيلوغرام.

«الناس فاكرة إنو الجزار هو البحدد سعر اللحمة، لكن الموضوع أكبر من كدا. الماشية غالية، والعلف غالي، والترحيل غالي، وكل المصاريف زادت».

وبالنسبة إلى كثير من الأسر، لم تعد اللحوم جزءاً ثابتاً من قائمة المشتريات. أصبحت الكمية والسعر مرتبطين بما تسمح به ميزانية اليوم.

الوقود لا يبقى في المحطة

على الطريق، يقول سائق عربة إن أثر الوقود لا يتوقف عند تكلفة المواصلات.

«الوقود لو زاد، الزيادة ما بتقف في المحطة. بتطلع مع العربية للسوق، وبعدها تدخل في سعر الخُضار واللحمة والدقيق وكل حاجة».

ورغم بساطة العبارة، فإنها تلخص واحدة من أكثر حلقات الغلاء وضوحاً: تكلفة النقل تنتقل من المنتج إلى التاجر، ومن التاجر إلى المستهلك، لتصبح في النهاية جزءاً من سعر السلعة.

فالوقود يدخل في نقل البضائع، وتشغيل المركبات، وحركة الأسواق، وتوزيع المنتجات، وأي زيادة في تكلفته يمكن أن تتسع آثارها عبر سلسلة الإمداد.

الدقيق والسكر.. حين تصل الأزمة إلى الأساسيات

داخل متاجر المواد الغذائية، لا يختلف المشهد كثيراً.

الدقيق والسكر وسلع أخرى أساسية أصبحت جزءاً من حسابات يومية أكثر تعقيداً، في ظل ارتفاع تكاليف النقل والتشغيل، واضطراب سعر الصرف وتكاليف الإنتاج والاستيراد.

ولا تأتي الزيادة في السوق منفردة.

 

 

ارتفاع تكلفة الدقيق يمكن أن يرفع تكلفة إنتاج الخبز، وزيادة الوقود تضغط على الترحيل، بينما تنعكس تكاليف النقل والإمداد على الخضار واللحوم وبقية السلع.

هكذا لا يحتاج الغلاء إلى قرار واحد حتى يصل إلى المستهلك؛ يكفي أن ترتفع تكلفة واحدة في بداية السلسلة لتبدأ آثارها في الظهور عند نهايتها.

لماذا لا يمكن اختصار الأزمة في «جشع التجار»؟

تكشف الجولة أن تحميل التاجر وحده مسؤولية ارتفاع الأسعار لا يشرح كامل الصورة.

فالحرب أضعفت الإنتاج وحركة التجارة والنقل والبنية التحتية، وأربكت سلاسل الإمداد، بينما أدى اضطراب سعر الصرف وارتفاع تكاليف الوقود والمدخلات إلى زيادة تكلفة وصول السلع إلى الأسواق.

في المقابل، يجد التاجر نفسه أمام معادلة شائكة: شراء بسعر مرتفع، ودفع تكلفة نقل وتشغيل أعلى، ثم محاولة البيع بسعر يسمح له بتغطية تكلفته والاستمرار.

لكن في نهاية هذه السلسلة يقف المواطن.

المواطن.. آخر من يدفع الفاتورة

من جنوب الخرطوم إلى شمالها، ومن الصينية إلى السوق المركزي، تتغير الشوارع والأسواق، لكن السؤال يبقى نفسه:

«الأسعار دي حتستقر متين؟»

لم تعد المشكلة في سعر سلعة واحدة. إنها في الوقود والخضار واللحوم والدقيق والسكر والخبز والنقل، وفي دخول تحاول ملاحقة أسعار تتغير بوتيرة أسرع من قدرة كثير من الأسر على التكيف معها.

المواطن لا يدخل السوق اليوم بقائمة مشتريات فقط؛ يدخل ومعه آلة حاسبة في رأسه.

ماذا أشتري؟ ماذا أترك؟ وما الذي يمكن تأجيله إلى الغد؟

في هذه المعادلة، تصبح الكمية نفسها مؤشراً على الأزمة. نصف كيلو بدلاً من كيلو، سلعة واحدة بدلاً من اثنتين، وتأجيل شراء ما كان في السابق من أساسيات الحياة اليومية.

كانت رحلة الصباح من جنوب الخرطوم إلى شمالها كافية لرؤية الأزمة من زوايا مختلفة.

هي ليست مجرد رقم في تقرير اقتصادي، ولا حديثاً عن التضخم وسعر الصرف وتكاليف النقل.

إنها في محطة الوقود، وفي الطريق، وعلى فرشة الخضار، وفي محل الجزارة، ودكان المواد الغذائية، وأخيراً في بيت المواطن الذي يحاول أن يجعل دخله يكفي شهراً تتغير فيه الأسعار قبل أن تتغير قدرته على الدفع.

وفي بلد أنهكته الحرب، لا يبدو الغلاء مجرد ارتفاع في الأسعار، بل سباقاً يومياً بين دخل يتراجع واحتياجات لا تنتظر.