لماذا يسعى السودانيون لاستخراج الذهب رغم المخاطر العالية؟

الخرطوم/ الغد السوداني – أفاد تقرير لـ«بي بي سي عربي» بأن تزايد أعداد العاملين في التعدين التقليدي عن الذهب في السودان، بالتزامن مع ضعف الرقابة وغياب معايير السلامة، أسهما في ارتفاع مخاطر انهيار آبار المناجم، بعدما شهدت مناطق متفرقة من البلاد خلال أيام قليلة حوادث أودت بحياة عشرات المعدّنين.

وخلال أيام معدودة، انهارت خمس آبار متلاصقة في منجم بمنطقة النهود بولاية غرب كردفان، ما أسفر عن وفاة 83 شخصاً على الأقل وإصابة عشرات آخرين، وفق التقرير. وبعد ثلاثة أيام، انهار بئر في منجم بمنطقة جبيت في أقصى شرق السودان، مخلفاً 12 قتيلاً وعدداً من المصابين.

ورغم المخاطر التي تحيط بالعمل في المناجم، لا تزال عمليات التنقيب عن الذهب تستقطب آلاف السودانيين، خصوصاً في ظل تداعيات الحرب التي اندلعت في البلاد عام 2023 وتراجع فرص العمل في قطاعات أخرى.

وكان السودان قد اتجه بصورة متزايدة إلى الذهب بعد فقدانه جزءاً كبيراً من موارده النفطية عقب انفصال جنوب السودان عام 2011، ما دفع أعداداً كبيرة من السودانيين إلى العمل في مجال التنقيب.

وبحسب إفادات محمد طاهر، المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية، الجهة الحكومية المسؤولة عن تنظيم عمليات التنقيب، تضاعف عدد العاملين في التعدين خلال سنوات الحرب، ليتجاوز نحو ستة ملايين شخص يعملون في أكثر من 800 موقع.

 

الهروب من الحرب إلى المناجم

 

ومن بين هؤلاء المعدّن آدم الفكي، الذي كان يعمل في الزراعة بولاية شمال كردفان، قبل أن تدفعه ظروف الحرب إلى ترك مهنته وعائلته والتوجه إلى مناطق التعدين في شمال السودان، قاطعاً آلاف الكيلومترات بحثاً عن مصدر للدخل.

وقال الفكي لـ«بي بي سي» إنه يعمل مع مئات الأشخاص في مناجم تقع في مناطق جبلية ووعرة تفتقر إلى أبسط متطلبات السلامة، مستخدمين وسائل بدائية في الحفر والتنقيب عن الذهب.

وأضاف أن أكثر من 50 شخصاً يعملون في بئر واحدة بنظام الورديات، رغم عدم العثور على الذهب حتى الآن، معرباً عن أمله في الوصول إلى كميات تمكنه من تحسين أوضاعه الاقتصادية.

آبار بلا دعامات ورقابة محدودة

وعزا الخبير في مجال السلامة العامة، عبد الرحيم حسن، الانهيارات المتكررة لآبار الذهب إلى غياب معايير السلامة وضعف الرقابة، إلى جانب الزيادة الكبيرة في أعداد المعدّنين منذ اندلاع الحرب.

وقال حسن لـ«بي بي سي» إن كثيراً من الآبار تُحفر بصورة عشوائية، وتضم أنفاقاً تفتقر إلى الدعامات الهندسية اللازمة، فضلاً عن تأثير السيول والأمطار الغزيرة، لا سيما أن غالبية المناجم تقع في مناطق جبلية ونائية.

وطالب حسن، الذي سبق أن عمل مستشاراً لإحدى الشركات في مناطق التنقيب، السلطات بتشديد الرقابة على المناجم وإلزام العاملين بمعايير السلامة عند منح التراخيص، مشيراً إلى أن صعوبة الرقابة لا تعفي الجهات المسؤولة من مسؤولياتها.

في المقابل، يقول مسؤولون حكوميون إن السلطات تبذل جهوداً لتأمين مواقع التعدين وتنظيم القطاع، لكنها تواجه تحديات كبيرة بسبب اتساع الرقعة الجغرافية للمناجم وصعوبة الوصول إلى مواقع تقع في مناطق نائية وجبلية، وبعضها بالقرب من الحدود مع دول مجاورة.

وأوضح مدير الشركة السودانية للموارد المعدنية أن الحرب أدت إلى تعقيد عمليات الرقابة، في ظل توقف مؤسسات حكومية عن العمل وغياب عدد من الموظفين، وهو ما انعكس على قدرة الدولة على متابعة مواقع التعدين.

ذهب السودان بين الإنتاج والتهريب

ويُعد السودان من أبرز منتجي الذهب في أفريقيا، ويحتل، وفق البيانات الواردة في التقرير، المرتبة الثالثة من حيث حجم الإنتاج.

ورغم استمرار الحرب، سجل السودان العام الماضي أعلى معدل إنتاج رسمي بلغ نحو 70 طناً، إلا أن مسؤولين حكوميين وتقارير لمنظمات دولية تشير إلى أن كميات كبيرة من الذهب تغادر البلاد بصورة غير رسمية عبر مصر وتشاد وجنوب السودان، قبل أن تصل إلى الإمارات العربية المتحدة، التي تُعد الوجهة النهائية لكميات كبيرة من الذهب السوداني.

وبحسب تقرير صادر عن مركز «تشاتام هاوس» البريطاني في مارس (آذار) الماضي، فإن أكثر من 60 في المائة من الذهب المهرب من مناطق خاضعة لسيطرة الجيش يصل إلى مصر.

ويثير قطاع الذهب في السودان أيضاً جدلاً مرتبطاً بتمويل الحرب، إذ تتهم جهات دولية طرفي النزاع، الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بالاستفادة من موارد الذهب في دعم العمليات العسكرية. ولم تحصل «بي بي سي» على تعليق من الجيش أو قوات الدعم السريع بشأن هذه الاتهامات.

وتسببت الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023 في سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى ونزوح ملايين السودانيين، إلى جانب تدمير واسع للبنية التحتية وتراجع الخدمات الأساسية.

وبالنسبة إلى المعدّنين التقليديين، تبدو المخاطر المرتبطة بالعمل في المناجم أقل وطأة من تداعيات الحرب وانعدام مصادر الدخل في مناطقهم. ويقول آدم الفكي إنه يدرك خطورة العمل في المناجم وإمكانية تعرضه للموت في أي لحظة، لكنه يرى في التنقيب عن الذهب محاولة للخروج من واقع الحرب وانعدام فرص العمل، على أمل أن يعثر على ما يغيّر ظروفه المعيشية.