
قنابل الكلور في السودان.. وثائق تكشف مشروعا سريا وتعيد اتهامات السلاح الكيميائي إلى الواجهة
الغد السوداني ( وكالات)كشفت صحيفة «نيويورك تايمز»، في تحقيق استقصائي نشرته السبت، عن ملف استخباراتي يضم نحو 150 وثيقة وصورة ومقطع فيديو وتسجيلات صوتية، إلى جانب آلاف الرسائل النصية، قالت إنه يقدم أدلة جديدة على تطوير الجيش السوداني برنامجاً سرياً لإنتاج ذخائر تعتمد على غاز الكلور خلال الحرب، واستخدامها في مواجهة قوات الدعم السريع.
وبحسب التحقيق، حصلت الصحيفة على الملف من وكالة استخبارات في الشرق الأوسط، ويبدو أن جانباً كبيراً من محتوياته مصدره هواتف ضباط سودانيين كبار. وتضم المواد مخططات هندسية لذخائر، وصوراً ومقاطع فيديو لاختبارات سرية، ورسائل تتناول مراحل تطوير المشروع وإنتاجه، فضلاً عن محاولات لاحقة لإخفاء آثاره بعد اكتشافه من جانب الولايات المتحدة.
وقالت «نيويورك تايمز» إن المشروع بدأ في وقت كان الجيش يواجه صعوبات ميدانية في الخرطوم، قبل أن يتجه إلى تطوير ذخائر قادرة على إطلاق غاز الكلور بهدف تحقيق أفضلية في المعارك.
قنابل تجمع بين المتفجرات والكلور
ووفق الوثائق التي استند إليها التحقيق، اقترح العميد طارق حسين، الذي تصفه المواد بأنه المسؤول عن مشروع قنابل الكلور، استخدام الغاز كسلاح في الحرب.
وتشير الرسائل إلى أن حسين عمّم رسومات لنماذج أولية لذخيرة تجمع بين رأس حربي متفجر ونحو 33 رطلاً، أي قرابة 15 كيلوغراماً، من غاز الكلور.
وبحسب ما أوردته الصحيفة، كان من المفترض أن تحقق هذه الذخائر تأثيراً مزدوجاً، من خلال الانفجار وما ينتج عنه من شظايا، إضافة إلى إطلاق الغاز.
وأشرف حسين، اعتباراً من يوليو (تموز) 2024، على مصنع لتجميع النماذج الأولية لهذه الذخائر، وفقاً للملف.
وفي 22 يوليو، أقلعت طائرة شحن من طراز «أنتونوف» من مطار مروي لإجراء اختبار لذخيرة قائمة على الكلور، بحسب الوثائق. وتشير الرسائل إلى أن الاختبار جرى في منطقة صحراوية، وأن حسين أبلغ زملاءه بنجاح التجربة.
300 ذخيرة في مطار مروي
وتشير الوثائق إلى أن المشروع واجه مشكلات تقنية، بينها تسرب غاز الكلور أثناء عمليات التصنيع والاختبار.
وبحلول أكتوبر (تشرين الأول) 2024، أفاد حسين بأنه تمكن من إنتاج نحو 300 ذخيرة كيميائية، خُزن معظمها في مطار مروي، وفقاً للتحقيق.
كما تتضمن المواد صوراً ومقاطع فيديو للأسلحة أثناء الاختبارات، ورسائل تتناول نتائج التجارب والمشكلات التي واجهها المشروع. وقال خبراء راجعوا المواد لصالح «نيويورك تايمز» إنها تبدو متسقة مع محاولة عملية لتطوير أسلحة كيميائية، لكنهم شددوا على أن إثبات استخدامها يتطلب تحقيقاً ميدانياً مستقلاً داخل السودان.
أسطوانات كلور من محطة مياه
وبحسب التحقيق، استورد حسين في أغسطس (آب) 2024 نحو 20 أسطوانة من غاز الكلور من الخارج، وقال إن الكمية تكفي لإنتاج نحو 1100 قنبلة.
لكن جزءاً آخر من الغاز، وفق الوثائق، حصل عليه المشروع من محطة المنارة لمعالجة المياه في أم درمان.
وتكتسب هذه النقطة حساسية خاصة، إذ كانت محطة المنارة قد تلقت إمدادات من غاز الكلور من منظمات إغاثة دولية لاستخدامها في معالجة المياه والمساعدة في مكافحة تفشي الكوليرا.
وقالت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في مراسلات اطلعت عليها الصحيفة، إنها تبرعت للمحطة بـ30 أسطوانة من الكلور في عام 2023، فيما أفادت منظمة إغاثية أخرى بتقديم 35 أسطوانة خلال عامي 2024 و2025.
كما قال متحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» إن المنظمة زودت ست محطات لمعالجة المياه في الخرطوم، بينها محطة المنارة، بغاز الكلور بين عامي 2023 و2025.
اتهامات سابقة باستخدام مواد سامة
وفي سبتمبر (أيلول) 2024، اتهمت قوات الدعم السريع الجيش بإطلاق صواريخ «سامة» على مصفاة الجيلي، وهي اتهامات نفتها السلطات السودانية.
وبحسب «نيويورك تايمز»، تتقاطع هذه الاتهامات مع معلومات استخباراتية جمعتها الولايات المتحدة بشأن برنامج الأسلحة الكيميائية السوداني، وهي المعلومات التي استخدمها مسؤولون أميركيون في تقييم امتلاك السودان مثل هذه الأسلحة.
البرهان والاطلاع على المشروع
وتقول الصحيفة إن الرسائل الصوتية والنصية المرتبطة بقائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان تشير إلى أنه كان على علم مباشر بالجهود المتعلقة بالأسلحة الكيميائية.
كما تشير المواد إلى أن ضباطاً في القوات المسلحة ركزوا لاحقاً على إخفاء آثار البرنامج، بعد اكتشافه من الجانب الأميركي.
وتتضمن إحدى الوثائق، وفق التحقيق، عبارة عربية تتحدث عن أن الهدف من تصميم الذخيرة هو إخفاء الأدلة على استخدام المواد الكيميائية وإطلاق الغاز من الخزان مباشرة..
الجيش السوداني ينفي
ورفض متحدث باسم الجيش السوداني ما ورد في الملف، ووصف نتائجه بأنها «باطلة ولا أساس مادياً لها»، مشيراً إلى أن السودان من الدول الموقعة على اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
كما لوّح المتحدث بإمكان اتخاذ إجراءات قانونية ضد «نيويورك تايمز» أمام المحاكم الأميركية في حال نشرت محتويات الملف.
ويأتي التحقيق في وقت تواجه فيه أطراف الحرب السودانية اتهامات متبادلة بارتكاب انتهاكات للقانون الدولي، بينما لا يزال تحديد المسؤولية عن استخدام الأسلحة الكيميائية يحتاج، وفق خبراء نقلت عنهم الصحيفة، إلى تحقيق ميداني مستقل وفحص للأدلة في مواقع الأحداث.
