
35 ألف حالة طلاق في السودان منذ اندلاع الحرب.. الانقسام العسكري يتسلل إلى داخل الأسر
الخرطوم/ الغد السوداني – أفاد تقرير لهيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي» بأن الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل (نيسان) 2023 لم تخلّف خسائر بشرية ونزوحاً واسعاً فحسب، بل امتدت آثارها إلى داخل الأسر، وأسهمت في تفكك آلاف الزيجات، في ظل انقسام الولاءات بين طرفي الصراع وتباعد مناطق السيطرة العسكرية.
ونقل برنامج «للسودان سلام» الذي تبثه «بي بي سي» قصة زوجة سودانية طلبت عدم الكشف عن اسمها، قالت إن الحرب كانت السبب المباشر في طلاقها من والد أبنائها، بعدما وجدت نفسها عالقة بين واقع أمني وجغرافي فرضته الحرب على الأسرة.
وتأتي هذه القصة ضمن آلاف الحالات التي شهدتها البلاد منذ اندلاع القتال، إذ تشير بيانات السلطة القضائية إلى تسجيل نحو 35 ألف حالة طلاق، وهو رقم وصفته السلطة بأنه يمثل «زلزالاً اجتماعياً غير مسبوق».
عام من الانتظار
كانت المرأة زوجة لعسكري في الجيش السوداني من العاصمة الخرطوم. وبعد اندلاع الحرب، احتُجز زوجها في مقر القيادة العامة، وانقطعت أخباره عنها لأكثر من عام.
ومع استمرار غيابه، وتدهور الأوضاع الاقتصادية وانعدام الموارد اللازمة لإعالة الأسرة، اضطرت الزوجة إلى الانتقال بأطفالها للعيش مع ذويها. وبعد فترة طويلة، تمكنت من التواصل مع زوجها وعلمت أنه لا يزال على قيد الحياة، لكنه طالبها بالعودة إلى الخرطوم.
غير أنها رفضت العودة، واختارت البقاء مع أطفالها لدى أسرتها. وبمرور الوقت، تحول الخلاف بين الزوجين إلى أزمة مرتبطة بمناطق السيطرة العسكرية؛ فالزوج كان موجوداً في منطقة يسيطر عليها الجيش، بينما كانت الزوجة وأطفالها في منطقة خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع.
وأمام تعذر اجتماع الأسرة، خيّرها الزوج، وفق روايتها، بين العودة إلى الخرطوم أو إنهاء الزواج. ومع تمسكها بالبقاء مع أطفالها، انتهت العلاقة بالطلاق رسمياً.
المعاناة على الضفة الأخرى
ولا تبدو الصورة مختلفة كثيراً لدى أسر عناصر قوات الدعم السريع. ونقلت «بي بي سي» قصة زوجة أحد عناصر القوات، فضّلت أيضاً عدم الكشف عن هويتها، قالت إنها أم لثلاثة أطفال، وإنها عاشت مع زوجها متنقلة من منطقة إلى أخرى بحكم انتمائه للقوات.
وقالت إن ظروف الحياة كانت شديدة القسوة على أطفالها، خصوصاً مع ابتعادها عن أسرتها في الخرطوم، وإنها حاولت مراراً إقناع زوجها
ومع تصاعد الخلافات وتعرضها وزوجها وأطفالها، بحسب روايتها، للضرب والمضايقات، قررت الفرار بأطفالها، ولم يكن بحوزتهم سوى الملابس التي كانوا يرتدونها.
وصلت المرأة إلى منزل أسرتها، لتجد نفسها أمام مسؤولية جديدة: إعالة أطفالها بمفردها، وتحمل أعباء الأسرة في ظل حرب دفعت ملايين السودانيين إلى النزوح وفقدان مصادر الدخل والاستقرار.
الطلاق في غياب أحد الزوجين
وتكشف هذه الحالات عن تعقيد قانوني آخر فرضته الحرب، يتعلق بإمكان إتمام إجراءات الطلاق في غياب أحد الزوجين، خصوصاً عندما يكون كل طرف موجوداً في منطقة تسيطر عليها جهة مختلفة.
وقال المحامي حيدر زكي، بحسب التقرير، إن الزوجة التي تقيم في مناطق سيطرة الجيش وتطلب الطلاق من زوج ينتمي إلى قوات الدعم السريع قد تواجه مشكلة في إعلان الزوج بالدعوى، بسبب وجوده في منطقة خاضعة لسيطرة الطرف الآخر.
وفي هذه الحالات، يمكن أن يتم الإعلان عبر الصحف الرسمية، وهو إجراء قد لا يصل إلى الزوج فعلياً، خصوصاً إذا كان موجوداً في مناطق ريفية أو نائية لا تتوافر فيها إمكانية الاطلاع المنتظم على الصحف.
وأوضح زكي أن المحكمة قد تستمع إلى أقوال الزوجة والشاهد في غياب الزوج، ثم تصدر حكمها بالطلاق. وإذا انقضت مدة 60 يوماً من دون تقديم معارضة، يصبح الحكم نهائياً، ويمكن للزوجة استخراج وثيقة الطلاق والزواج مجدداً.
لكن هذه الإجراءات قد تفتح الباب أمام نزاعات قانونية لاحقة، في حال ظهر الزوج واعترض على الحكم بحجة عدم علمه بالدعوى أو بالإعلان.
ويقول المحامي إن الإجراءات نفسها يمكن أن تجري في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع، ما يعني أن الحرب أوجدت واقعاً قانونياً موازياً، تصبح فيه المسافة بين الزوجين، ومناطق السيطرة، والخوف من الملاحقة الأمنية، عوامل تؤثر مباشرة في مصير الزواج.
حرب تتسلل إلى داخل البيت
وبينما تُقاس تداعيات الحرب عادة بأعداد القتلى والجرحى والنازحين والمنازل المدمرة، تكشف حالات الطلاق المتزايدة عن وجه آخر للصراع، يتمثل في تفكك البنية الأسرية.
ففي بلد لطالما شكلت الأسرة فيه شبكة الأمان الأساسية أمام الأزمات، باتت الحرب تضع الأزواج أمام خيارات قاسية، تتداخل فيها الخلافات الشخصية مع الانتماءات السياسية والعسكرية، وتتحول الجغرافيا إلى حاجز يحول دون لمّ شمل الأسرة.
وهكذا، قد ينتهي الزواج في سجلات المحاكم بحكم صدر في غياب أحد طرفيه، بينما تبقى الأسرة في الواقع معلقة بين جبهتين، ينتظر أفرادها نهاية حرب لم تكتفِ بتمزيق المدن والقرى، بل امتدت إلى داخل البيوت نفسها.
