تعقيباً على حديث مناوي: ماذا لو دعا الدعم السريع إلى حوار مماثل؟
مهدي داود الخليفة يكتب..
في حديثه الأخير، حذّر السيد مني أركو مناوي من خطورة الحوار الذي يجري التحضير له في الخرطوم، قائلاً: «يمكن للدعم السريع أن يعمل حواراً مشابهاً لهذا الحوار، ويكون السودان قد تقسم فعلياً».
أعتقد أن هذه الملاحظة تستحق أكثر من مجرد التعليق العابر؛ لأنها تضع يدها على واحدة من أخطر المآلات المحتملة للمشهد السياسي الراهن.
فالسؤال الذي يفرض نفسه: ماذا لو دعا الدعم السريع بالفعل إلى مؤتمر حوار مماثل؟
لنفترض أن الدعم السريع أعلن، غداً، عن مؤتمر للحوار ووقف الحرب، ودعا إليه القوى السياسية والمدنية، ومنظمات المجتمع المدني، والشخصيات المستقلة، وممثلي النازحين واللاجئين، بل ودعا بعض الدول والمنظمات الإقليمية والدولية للمشاركة بصفة مراقب أو مسهّل.
ماذا سيكون موقف الفريق أول عبد الفتاح البرهان؟ هل سيعتبر ذلك حواراً سودانياً مشروعاً، باعتبار أن هدفه وقف الحرب والوصول إلى توافق وطني؟ أم سيعتبره محاولة لمنح الدعم السريع شرعية سياسية، ويفتح عليه أبواب الاتهام بالتدخل الخارجي وتقسيم البلاد؟
هنا تحديداً يصبح حديث مناوي مهماً، لأن الإجابة عن هذا السؤال قد تكشف لنا طبيعة الحوار المطروح حالياً.
إذا كان الحوار مبدأً وطنياً، فيجب أن يكون حقاً متاحاً لجميع السودانيين، بغض النظر عن الجهة التي دعت إليه، وأن يكون معيار الحكم عليه هو مدى شموله وصدقيته وارتباطه بوقف الحرب، وليس هوية الداعي إليه.
أما إذا كان الحوار مقبولاً عندما تدعو إليه سلطة الأمر الواقع، ومرفوضاً عندما يدعو إليه الطرف الآخر، فإننا لا نكون أمام مبدأ وطني، وإنما أمام استخدام سياسي للحوار بهدف امتلاك شرعية المبادرة والتمثيل.
المخاوف التي أثارها مناوي ليست بعيدة عن الواقع.
فالسودان اليوم منقسم عسكرياً وجغرافياً، وإذا انعكس هذا الانقسام على المجال السياسي، بحيث يعقد كل طرف مؤتمره الخاص ويختار القوى التي يراها مناسبة، فقد نصل إلى أخطر مرحلة في الحرب:تحول الانقسام العسكري إلى انقسام سياسي ومؤسسي.
حوار في مناطق سيطرة الجيش، وحوار في مناطق سيطرة الدعم السريع، وقوى سياسية تتحرك بين المسارين، ومجتمع مدني موزع، ونازحون ولاجئون يصبحون موضوعاً للمزايدة السياسية بدلاً من أن يكونوا طرفاً أصيلاً في صناعة السلام.
عندها قد لا يكون السودان قد «تقسم» رسمياً، لكنه سيكون قد بدأ يتقسم سياسياً قبل أن يتقسم قانونياً.
وهذا تحديداً ما يجب تجنبه.
قد يقول قائل: إن الحوار يجب أن يكون سودانياً خالصاً، ولا ينبغي السماح للدول الخارجية بالتدخل.
وهذا موقف يمكن تفهمه من حيث المبدأ.
لكن ماذا لو دعا الدعم السريع إلى مؤتمره، وشاركت فيه دول إقليمية أو دولية بصفة مراقب أو مسهّل؟
هل سيكون ذلك مرفوضاً باعتباره تدخلاً في السيادة؟
وإذا كان كذلك، فهل يعني هذا أن المشاركة الدولية في مسارات السلام الأخرى تصبح مرفوضة أيضاً؟
الحقيقة أن الأزمة السودانية تجاوزت حدودها الوطنية منذ وقت طويل. الحرب خلقت أكبر أزمات النزوح واللجوء والأوضاع الإنسانية، وأصبحت لها امتدادات إقليمية ودولية واضحة.
ولذلك فإن وجود دور إقليمي ودولي ليس المشكلة في حد ذاته؛ المشكلة هي طبيعة هذا الدور، وهل يدعم الإرادة السودانية أم يحاول فرض أجندة خارجية.
يمكن أن يكون الحوار سودانياً في ملكيته وقراره، وفي الوقت نفسه يستفيد من ضمانات إقليمية ودولية تساعد على تنفيذ ما يتفق عليه السودانيون.
لهذا فإن السؤال الأهم بشأن حوار البرهان ليس: هل الحوار جيد أم سيئ؟
بل:
هل هو جزء من عملية السلام القائمة، أم مسار موازٍ لها؟
ففي الوقت الذي تتحرك فيه الرباعية والآلية الخماسية وغيرها من المبادرات نحو وقف الحرب وفتح الطريق أمام تسوية سياسية، فإن إطلاق مسار جديد لا ينبغي أن يؤدي إلى إرباك هذه الجهود أو منافستها.
السودان لا يحتاج إلى مبادرات أكثر بقدر ما يحتاج إلى تجميع المبادرات في مسار واحد.
ولا يحتاج إلى حوارات متنافسة، وإنما إلى حوار شامل يضم كل أصحاب المصلحة الحقيقيين.
ومن هنا نري أن نأخذ حديث السيد مناوي إلى نهايته المنطقية.
إذا دعا الدعم السريع إلى حوار مماثل، فليكن السؤال:
هل سيقبل البرهان بالحوارين؟
وإذا كانت الإجابة لا، فليشرح لماذا.
وإذا كان الحوار الحالي «سودانياً»، فلماذا لا يكون الحوار الذي يدعو إليه الطرف الآخر سودانياً أيضاً؟
وإذا كانت المشكلة في مشاركة الخارج، فما هي القواعد التي تحدد المشاركة المقبولة والمشاركة المرفوضة؟
وإذا كان الهدف هو وقف الحرب، فلماذا لا يتم الاتفاق على مسار سوداني موحد، تشارك في تيسيره وضماناته الأطراف الإقليمية والدولية، بدلاً من أن يفتح كل طرف مساراً خاصاً به؟
هذه الأسئلة ليست دفاعاً عن الدعم السريع، ولا رفضاً لحوار البرهان.
إنها محاولة لمنع السودان من الوقوع في فخ أخطر: أن يصبح لكل طرف حواره، وشرعيته، ومؤسساته، وحلفاؤه، ومؤتمراته.
مناوي حذّر من الانقسام… فلنختبر الفكرة قبل وقوعها
حديث مناوي ينبغي ألا يُفهم باعتباره رفضاً للحوار من حيث المبدأ، وإنما باعتباره تحذيراً من أن يتحول الحوار إلى انعكاس للانقسام العسكري.
فالحوار الحقيقي يجب أن يوحّد السودانيين، لا أن يعكس خرائط السيطرة العسكرية.
وإذا كان الحوار الذي دعا إليه البرهان قادراً على جمع السودانيين، فليثبت ذلك عملياً: بفتح أبوابه أمام القوى السياسية والمدنية كافة، وبمشاركة النازحين واللاجئين، وبقبول دور إقليمي ودولي متفق عليه، وبربطه مباشرة بوقف إطلاق النار، وبالتزامه بمسار سياسي يقود إلى انتقال ديمقراطي.
أما إذا أصبح حواراً لطرف، ثم جاء الطرف الآخر بحوار مقابل، فإن تحذير مناوي سيكون قد تحقق.
وهنا لن يكون السؤال بعد ذلك: من بدأ الانقسام؟
بل سيكون السؤال الأكثر مرارة:
كيف سمحنا للحرب أن تنتقل من الجبهات إلى طاولة الحوار، ومن الانقسام العسكري إلى الانقسام السياسي؟
السودان لا يحتمل أن يصبح له حواران، ولا مساران للشرعية، ولا مشروعان سياسيان.
لقد أكلت الحرب ما يكفي من الوطن.
فليكن الحوار جسراً لإنقاذ السودان، لا منصة جديدة لتقسيمه.
