ما وراء حديث مناوي عن حوار البرهان.. مخاوف من تكريس الانقسام أم إعادة ترتيب المشهد السياسي؟

قراءة تحليلية – عبد الرحمن حنين

حذّر رئيس حركة تحرير السودان والقيادي في الكتلة الديمقراطية، مني أركو مناوي، من أن يقود الحوار السياسي المطروح حالياً إلى تعميق انقسام السودان، منتقداً تشكيل لجنة مستقلة لتهيئة الحوار، ومشدداً على أن التنظيمات والقوى السياسية هي صاحبة الاختصاص في إدارة العملية السياسية.

وفي المقابل، دعا مناوي إلى تحرك دبلوماسي واسع تجاه دول الجوار، خصوصاً إثيوبيا وتشاد، مؤكداً أهمية وجود دور إقليمي ودولي في أي تسوية سياسية مقبلة.

وتكشف هذه المواقف عن قراءة تتجاوز الاعتراض على تشكيل لجنة الحوار، إلى خلاف أعمق حول طبيعة المرحلة الانتقالية المرتقبة، والجهات التي ينبغي أن تتولى صياغتها، في ظل استمرار الانقسام العسكري والجغرافي واتساع رقعة الحرب.

الحوار بين المبدأ والتوقيت

اللافت في خطاب مناوي أنه لا يرفض الحوار من حيث المبدأ، وإنما يعترض على آليته وتوقيته والجهات التي تتولى إدارته.

فقد أكد أن الكتلة الديمقراطية تشجع أي خطوة تقود إلى حوار بين السودانيين، لكنه يرى أن العملية السياسية ينبغي أن تقودها القوى والتنظيمات السياسية، لا أن تُترك لشخصيات تقدم نفسها باعتبارها مستقلة.

وهنا يبرز سؤال جوهري حول طبيعة التمثيل في أي عملية سياسية مقبلة: هل يكفي أن تكون الشخصيات المشاركة مستقلة عن الأحزاب والتنظيمات، أم أن نجاح الحوار يتطلب مشاركة القوى السياسية صاحبة النفوذ والتنظيم والقدرة على تنفيذ ما يتم التوصل إليه؟

وتعكس عبارة مناوي: «مافي شخص مستقل حكم بلد»، بوضوح رفضه لفكرة تجاوز القوى السياسية، لكنها في الوقت نفسه تفتح نقاشاً حول حدود الدور الذي يمكن أن تلعبه الشخصيات المستقلة والمجتمع المدني في عملية سياسية يفترض أن تتجاوز أطراف الصراع المباشرة.

هاجس «حوارين» في بلد واحد

ربما يمثل تحذير مناوي من انتقال الانقسام العسكري إلى المجال السياسي الجانب الأكثر حساسية في تصريحاته.

فإجراء حوار في مناطق تخضع لسيطرة الجيش، في وقت تسيطر فيه قوات الدعم السريع على أجزاء واسعة من البلاد، قد يدفع الطرف الآخر إلى البحث عن مسار سياسي موازٍ في مناطق نفوذه.

وفي هذه الحالة، قد يتحول الانقسام العسكري القائم إلى انقسام سياسي، بحيث يصبح لكل طرف مساره السياسي ومؤسساته وممثلوه، وربما روايته الخاصة بشأن شرعية الدولة ومستقبلها.

ومن هنا تأتي خطورة ما وصفه مناوي بإمكانية أن يمهد الحوار الحالي لـ«انقسام البلاد بوضع اليد».

فالخطر، وفق هذه القراءة، لا يكمن في تعدد المبادرات السياسية بحد ذاته، وإنما في احتمال أن يتحول واقع السيطرة العسكرية المؤقت إلى واقع سياسي دائم، بما يجعل وحدة الدولة نفسها جزءاً من معادلة التسوية.

الأزمة أكبر من «حرب جنرالين»

يرفض خطاب مناوي اختزال الأزمة السودانية في صراع بين قائدي الجيش والدعم السريع، وهو موقف يحمل دلالة سياسية تتجاوز التوصيف المباشر للحرب.

فالأزمة، وفق هذه الرؤية، ترتبط بطبيعة الدولة السودانية، وترتيبات الحكم، والعلاقة بين المركز والأقاليم، وتداخل الأدوار بين القوى السياسية والعسكرية والاجتماعية، فضلاً عن تأثيرات القوى الإقليمية والدولية.

وبالتالي، فإن أي اتفاق يقتصر على ترتيبات بين القيادات العسكرية قد لا يكون كافياً لمعالجة جذور الأزمة، وقد يؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع في صورة سياسية جديدة.

وهنا يصبح السؤال الأساسي: هل يمكن بناء تسوية مستدامة من دون معالجة القضايا التي راكمت الأزمات السياسية والعسكرية في السودان، أم أن أي اتفاق جزئي سيؤجل الانفجار بدلاً من إنهائه؟

البعد الدولي والضمانات

دعوة مناوي إلى إشراك أطراف دولية في العملية السياسية، سواء عبر المراقبة أو التسهيل، تعكس قدراً من عدم الثقة في قدرة الأطراف السودانية وحدها على ضمان تنفيذ أي اتفاق مقبل.

فالضمانات الدولية، في تصوره، لا ينبغي أن تكون مجرد حضور بروتوكولي، وإنما آلية للمساعدة في ضمان الالتزام بمخرجات التسوية، خصوصاً في ظل التجارب السابقة التي واجهت فيها الاتفاقات السياسية صعوبات كبيرة عند الانتقال من مرحلة التوقيع إلى مرحلة التنفيذ.

لكن وجود الدور الدولي يطرح بدوره سؤالاً آخر حول حدود هذا الدور: هل يكون مقتصراً على التيسير والضمان، أم يتحول إلى طرف مؤثر في تحديد شكل التسوية ومضمون المرحلة الانتقالية؟

لماذا إثيوبيا وتشاد؟

تبدو دعوة مناوي للتحرك تجاه إثيوبيا وتشاد مرتبطة بصورة مباشرة بالتطورات العسكرية على الحدود، وبالتطورات التي أشار إليها في محور النيل الأزرق.

ومن هذه الزاوية، لا يتعامل مناوي مع الدبلوماسية باعتبارها مساراً منفصلاً عن الحرب، وإنما كأداة لإدارة البيئة الإقليمية المحيطة بالصراع السوداني.

فدول الجوار تتأثر مباشرة بتداعيات الحرب، كما أن مواقفها وعلاقاتها الإقليمية قد تؤثر بدورها في موازين القوى داخل السودان.

لذلك، فإن التواصل مع هذه الدول يبدو بالنسبة إلى مناوي جزءاً من معركة أوسع لإعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية المحيطة بالأزمة، بدلاً من تركها تتحرك وفق حسابات القوى الإقليمية المتنافسة.

وفي الوقت نفسه، فإن دعوته إلى الحوار مع دول الجوار، رغم حديثه عن تأثرها بالتوازنات الإقليمية، تعكس توجهاً نحو الدبلوماسية النشطة، بدلاً من سياسة القطيعة أو الاكتفاء بإدانة مواقف هذه الدول.

صراع على شكل المرحلة المقبلة

في جوهر تصريحات مناوي، تبدو القضية أكبر من مجرد خلاف حول تشكيل لجنة للحوار.

فالمسألة تتعلق بمن يمتلك حق صياغة المرحلة السياسية المقبلة، ومن يحدد أطرافها وأجندتها وضماناتها.

فالجيش وقوات الدعم السريع يفرضان واقعاً عسكرياً على الأرض، بينما تحاول القوى السياسية الحفاظ على موقعها في أي ترتيبات انتقالية مقبلة، في وقت تسعى فيه أطراف إقليمية ودولية إلى التأثير في مسار التسوية.

ومن ثم، فإن أي عملية سياسية لا تراعي هذه التعقيدات قد تجد نفسها أمام خطر إنتاج واقع سياسي لا يقل انقساماً عن الواقع العسكري.

الخلاصة

يضع خطاب مناوي العملية السياسية أمام معادلة شديدة التعقيد: الحوار مطلوب، لكن توقيته وآليته وأطرافه وشروطه لا تقل أهمية عن مبدئه.

فهو يريد حواراً تشارك فيه القوى السياسية المنظمة، ويأخذ في الاعتبار خريطة السيطرة على الأرض، ويحظى بدور وضمانات إقليمية ودولية، وفي الوقت نفسه يمنع تحول الانقسام العسكري إلى انقسام سياسي دائم.

وبهذا المعنى، فإن تحذير مناوي لا يستهدف لجنة الحوار وحدها، وإنما يعكس صراعاً أوسع حول شكل التسوية المقبلة، ومن يملك حق صياغة المرحلة الانتقالية، وكيف يمكن منع واقع الحرب من التحول إلى أساس لإعادة تشكيل الدولة السودانية على خطوط الانقسام العسكري والجغرافي.

ويبقى التحدي الحقيقي أمام أي حوار مقبل هو قدرته على إنتاج مسار سوداني جامع، لا أن يتحول إلى منصة جديدة لتثبيت مناطق النفوذ أو منح الانقسام القائم غطاءً سياسياً.